تخطي للذهاب إلى المحتوى

ملائكة النوستالجيا

21 سبتمبر 2026 بواسطة
رئيس التحرير د. منى جمال
لا توجد تعليقات بعد

بقلم د / محمد سيف


لماذا ملائكة في الماضي… وبشر في الحاضر؟

يتحدث الجميع عن الزمن الجميل.

عن الماضي وذكرياته، عن الثمانينيات وطيبتها، وعن التسعينيات وصفائها، عن أخلاق المجتمع وطباع الناس وتصرفاتهم.

كيف كان الاحترام
كيف كانت الأصول
كيف كانت الأخلاق والمبادئ…
كيف كنا… وكيف كانوا… وكيف كان كل شيء أجمل.

لكن مهلاً

ما الذي تغيّر؟

الزمن؟
هو هو الزمن… وهي هي الأيام، تتعاقب وتتكرر.

الشمس؟
هي هي الشمس.

الأرض؟
هي الأرض، لم تكبر ولم تصغر.

السماء كما هي
والهواء كما هو

الكون ما زال فسيحًا، والكواكب ما زالت في مداراتها، والليل ما زال يعقب النهار، والنهار ما زال يأتي بعد الليل.

فإذا كان كل شيء تقريبًا كما هو

فمن الذي تغيّر؟

لماذا نحن دائمًا ملائكة في الذكريات فقط؟

لماذا نتحدث عن جمال الرجولة وروعة التضحية في الماضي، بينما في الحاضر قد نبيع مبادئنا لأول مصلحة تطرق أبوابنا؟

لماذا نتغزل بجمال الحب ودفء المشاعر في الماضي، بينما تسيطر علينا اليوم الحسابات والمصالح والفوارق الاجتماعية؟

لماذا نتحدث بفخر عن وطنية أجدادنا، بينما قد لا يشغل الوطن المكان نفسه في قلوبنا؟

لماذا نتحدث عن الجار الذي كان يسأل عن جاره، والصديق الذي كان يقف بجوار صديقه، والقريب الذي كان يصل رحمه، بينما أصبح كثير من العلاقات اليوم محكومًا بما تقدمه لنا أكثر مما نمثله لبعضنا؟

ولماذا نقول دائمًا:

"زمان كانوا أحسن مننا"؟

وكأننا لم نكن نحن أنفسنا جزءًا من ذلك الزمان!

وكأن البشر الذين عاشوا في الثمانينيات والتسعينيات لم يكونوا هم أنفسهم آباءنا وأمهاتنا وأجدادنا وأصدقاءنا، وكأننا جئنا إلى هذا العالم من كوكب آخر.

نحن نحن

نفس البشر، ونفس الروح، ونفس المشاعر، ونفس القدرة على الخير والشر.

إذن، ماذا حدث؟

الحقيقة أن تفسير كل التغييرات المجتمعية بأنها نتيجة للزمن أو التكنولوجيا أو ضغوط الحياة، تفسير ناقص.

نعم، التكنولوجيا غيّرت طريقة تواصلنا.

ونعم، سرعة الحياة غيّرت إيقاع يومنا.

ونعم، الظروف الاقتصادية والاجتماعية خلقت ضغوطًا لم تكن موجودة بالشكل نفسه من قبل.

لكن كل هذه أسباب مؤثرة، وليست الإنسانَ نفسه.

المتغير الحقيقي هو الإنسان.

تغيّرت أولوياته.

تغيّرت نظرته إلى النجاح.

أصبح المال عند البعض معيارًا للقيمة، وأصبحت الصورة أهم من الحقيقة، والانطباع أهم من الجوهر، والمصلحة أحيانًا أهم من المبدأ.

صرنا نريد أن نبدو جيدين أكثر مما نريد أن نكون جيدين.

نريد أن يرانا الناس أخيارًا، حتى لو لم نكن كذلك في الخفاء.

نريد أن نتحدث عن الأخلاق أكثر مما نريد أن ندفع ثمن الالتزام بها.

وهنا ربما تكمن المشكلة الحقيقية.

لقد أصبحنا نشتاق إلى أخلاق الماضي، لكننا لا نريد دائمًا أن ندفع تكلفة تلك الأخلاق.

نشتاق إلى الوفاء، لكن الوفاء يحتاج صبرًا.

نشتاق إلى الشهامة، لكن الشهامة قد تكلفنا وقتًا ومالًا ومجهودًا.

نشتاق إلى صلة الرحم، لكنها تحتاج أن نتجاوز خلافاتنا.

نشتاق إلى الصداقة الحقيقية، لكنها تحتاج أن نقف بجوار أصدقائنا حين لا يكون في ذلك أي مكسب لنا.

نشتاق إلى الحب الحقيقي، لكنه يحتاج أن نكون صادقين، لا أن نبحث دائمًا عن الشخص الأكثر ملاءمة لمصالحنا.

نشتاق إلى الأمانة، لكنها أحيانًا تعني أن نخسر صفقة.

نشتاق إلى المبادئ، لكنها في بعض اللحظات تعني أن نقول "لا" عندما يكون قول "نعم" أسهل وأكثر ربحًا.

وهنا السؤال الأهم:

إذا كنا نعرف كل هذا  فما الذي يمنعنا من العودة؟

ما الذي يمنعك أنت من أن تكون الإنسان الذي تتحدث عنه عندما تتحدث عن الزمن الجميل؟

ما الذي يمنعك من أن تكون صديقًا وفيًا؟

جارًا طيبًا؟

أبًا حاضرًا؟

أمًا رحيمة؟

زوجًا صادقًا؟

إنسانًا أمينًا؟

ما الذي يمنعك من أن تساعد شخصًا دون أن تصور مساعدتك؟

أن تعفو دون أن تخبر الجميع أنك عفوت؟

أن تعطي دون أن تنتظر المقابل؟

أن تحفظ سرًا لا يعرف أحد أنك تعرفه؟

أن تقول الحقيقة حتى عندما لا تخدمك؟

لا شيء يمنعك.

التكنولوجيا لا تجبرك على الكذب.

والهاتف لا يجبرك على الخيانة.

والزمن لا يجبرك على الأنانية.

وضغوط الحياة لا تجبرك على أن تفقد إنسانيتك.

قد تجعل كل هذه الأشياء الطريق أصعب

لكنها لا تسلبك الاختيار.

فكما كان هناك في الماضي أناس سيئون، هناك اليوم أناس طيبون.

وكما كان هناك في الماضي من يخون ويكذب ويظلم، هناك اليوم من يخلص ويصدق ويضحي.

وكما لم يكن الماضي جنة كاملة، فالحاضر ليس جحيمًا كاملًا.

ربما نحن الذين نرتكب خطأ آخر دون أن نشعر

شارك هذا المنشور
الأرشيف
تسجيل الدخول حتى تترك تعليقاً

قراءة التالي
"صدري بلا روح"