تخطي للذهاب إلى المحتوى

أين أثر السنين !؟

15 أكتوبر 2026 بواسطة
المحررة نور الباسي
لا توجد تعليقات بعد

بقلم: د. منى جمال

أين أثر السنين ؟!

الإنسان ليس تمثالاً من مرمر يُنحت ليبقى سجين زاويته إلى الأبد، بل كائن سيّال، تتجاذبه الأيام وتصقله التجارب حتى تعيد صياغة دواخله من الجذور. وحين يتغير الإنسان نفسياً، فإن هذا التغير ليس قناعاً زائفاً يرتديه حسب الأهواء، ولا دوراً عابراً يؤديه، بل هو انقلاب هادئ وجذري في وعيه وبنيته الروحية. تصبح تصرفاته، وانقباضات قلبه، واختياره لمسافاته، ترجمة صادقة لواقع داخلي جديد؛ واقع لم يعد يتقن فن المجاملة على حساب روحه، ولا يقبل بأن يُحشر في قالب قديم ضاق عليه فمزقه.

ثم يأتي بعد سنوات طوال أولئك الواقفون على ضفة الماضي، ملوحين باتهاماتهم البليدة وسوء ظنهم: "لقد تغيرتَ كثيراً ولم تعد كما كنت!". يا لها من سذاجة فكرية وعمى بصيرة! أن يُحاكم المرء لأنه كبر، لأنه أفاق من غفوته، لأنه استوعب طعنات الأمس فأعاد ترتيب أولوياته؛ وكأن المطلوب منه أن يظل محبوساً في نفس المحطة المظلمة التي تركته ذابلاً. إن اتهام الإنسان بأنه تغير بعد سنوات هو في حد ذاته معيب، لأنه يفترض أن الزمن يجب أن يتجمد، وأن النفوس تحرم من حقها في النضج والتعلم والهرب من مقاصل الاستنزاف. يفسرون وعيك الجديد تكبراً، وسلامك الداخلي بروداً، وابتعادك جحوداً، وما ذلك إلا لأنهم أرادوك دائماً بتلك النسخة الضعيفة التي تمنحهم حق الوصاية على روحك.

وهنا يتجلى الفارق العظيم، والفاصل الرهيف، بين من يعاملك بـ "الحدود" وبين من "يتنكر" لك؛ وهما أمران يخلط فيهما الجاهلون بحقيقة النفوس.

الذي يعاملك بـ "الحدود" هو إنسان واعٍ؛ لم ينسَ الماضي ولم يمحُ الذاكرة، بل تذكرها بوعي كافٍ ليعرف أين يضع قدميه. هو لا يحمل ضغينة عمياء، ولا يتنكر لما كان بينكم من عشرة، لكنه اختار بحكمة بالغة أن يحمي مساحته الخاصة، فيبقيك في نطاق آمن لا يسمح لك بتكرار الأذى أو العبث بسلامه المستجد. يراك بعين الحقيقة لا بعين الوهم، فلا يقترب حد الاحتراق ولا يبتعد حد القطيعة المطلقة.

أما من "يتنكر" لك، فهو إنسان يحركه الكبرياء المجروح أو الهروب الجبان من مرآة ذنبه. التنكر هو إلغاء جماعي للذاكرة، هو أن ينظر إليك وكأن شيئاً لم يربط بين خطوتيكما يوماً، فيتعمد الجفاء المفتعل أو ينكر فضلاً، هروباً من مواجهة الحقيقة التي تذكره بما اقترفه. التنكر ضعف، بينما الحدود شجاعة ووعي.

إن من يتغير بعد سنين من الصدمات والوعي لا يُعاتب بل يُحترم، ومن يختار أن يقيم حدوداً واقية بينه وبين من استرخصوا قيمته، إنما يمارس أطهر أنواع احترام الذات؛ فليس كل تغير خذلان، وليس كل ابتعاد جحوداً، بل إن بعض الانعتاق هو النجاة الوحيدة لروحٍ كادت تزهق في مهب الاستنزاف.


شارك هذا المنشور
الأرشيف
تسجيل الدخول حتى تترك تعليقاً