بقلم : إيمان عبد النبي
«وفي التمهل حياة كاملة»
«حين يصبح البطء نجاة»
في لحظة تأمل عميقة لمشاهد تتكرر يوميًا، نُدرك العجب؛ فنجان قهوة نحتسيه على عُجالة، رسائل هاتفية نُمررها بسرعة، نمشي، نركض، خطوات لا تهدأ، حتى الطعام يُتناول بطريقة خاطفة.
صرنا لا نعي هل الحياة هي التي تجبرنا على السرعة، أم نحن من نسابق الزمن؟
أصبحت الحياة تسير بوتيرة متسارعة، سباق متلاحق ومستمر في كل شيء، لا فرصة ولا وقت للتأمل، للراحة، أو للاستمتاع بالحياة. فقدنا الشعور باللحظات وبجوهر الأشياء؛ كل ما في الحياة حولنا متسارع، حتى المشاعر تُعاش بسرعة.. نُحب، ونختلف، ونفارق بسرعة، لا وقت للذكريات، للحزن، أو لتذكر العشرة.
أصبحت الحياة أكبر من قدرتنا على التأمل، تطاردنا دائمًا بشبح السرعة، وهذا ما يأخذنا نحو التوتر، وزيادة الانفعال والغضب. فالكل أصبح مشحونًا ومتوترًا، يريد الإنجاز مهما كلفه الأمر، وبصرف النظر عما نخسره من متعة الحياة على مهل في مقابل مواكبة هذا التسارع.
السؤال الأهم هنا: ماذا لو أخذنا الحياة على مهل؟ كيف يغير البطء فينا الشعور بالحياة؟
للحياة سحر وبريق جذاب وهي تُعاش على مهل؛ فالبطء ليس كسلًا، ولا دعوة للتكاسل، بل هو فرصة عظيمة للتذوق والشعور بجوهر الوجود، فرصة لنحيا الحياة نفسها بشعور مختلف.
ماذا لو احتسينا القهوة على مهل، نتذوق حلاوتها، نستشعر دفئها ورائحتها المنعشة؟ هي دقائق قليلة، لكنها عميقة الأثر، تخلق شعور الونس والراحة.
ماذا لو جربنا تأمل المشاعر، فنفرح بالأشياء البسيطة، ونبتسم بعمق، ونقرأ صفحة بتركيز واستيعاب؟ أن نخلق مساحة داخلية للمشاعر كي تتنفس وتمنحنا انطباعها عن كل لحظة تُعاش. حينما تتنفس المشاعر وتُحدثنا، ندرك أننا بالسرعة والعجالة كنا آلات تعمل بلا روح، نُدار في ساقية الأيام، يوم يجر الآخر، بلا إحساس.
إن الهدوء الداخلي فرصة عظيمة لتنمية السلام الداخلي مع الذات والحياة.
الخلاصة: الحياة ليست سباقًا، ولا ماراثونًا يُكافأ فيه الأسرع، بل هي رحلة مليئة بالجوائز للمتأمل الذي يعيش على مهل. هي النجاة من جمود المشاعر، والفوز بالحياة والأثر؛ حيث يمنحنا البطء فرصة ترك أثر طيب في كل إنسان ننصت له أو نتعامل معه بمبدأ التفاعل لا بمبدأ السرعة.. فما أجمل أن نكون أثرًا طيبًا، خيرٌ من أن نكون سحابة عابرة مرت على عجالة، فلا هي أزهرت ولا تُذكرت!