تخطي للذهاب إلى المحتوى

حكاية هوية تُستلب.

2 أكتوبر 2026 بواسطة
رئيس التحرير د. منى جمال
لا توجد تعليقات بعد

بقلم/شيماء محمد

حين تنظر اليوم إلى عتبات البيوت القديمة،وتلمس ذلك الدفء الذي كان ينبض بالحياة منها، وتجد أثرًا لذلك الكرسي الخشبي المجاور للباب حيث اعتاد الجار أن يطمئن على جاره دون موعد مسبق تحن لأيام لم تعد متواجدة إلا بداخل ذكرياتنا.
لقد فقدنا شيئاً أعمق بكثير من مجرد عادات اجتماعية؛ لقد فقدنا "روح الجماعة" التي كانت تحفظ توازن الروح الإنسانية

إن ما يواجهه المجتمع العربي اليوم ليس مجرد تغير طبيعي يفرضه الزمن، بل هو عملية هندسة وثقافية ممنهجة تستهدف تدمير الذاكرة الجمعية. بل هى حرب على عادات وتقاليد مجتمعاتنا العربية
  وشيطنة الأسرة و يتم تصوير الروابط الأسرية الكبيرة والترابط العائلي في الدراما والإعلام على أنها "سجون" تقيد الحرية الفردية، وليست حصوناً للأمان والدعم النفسي.
و يُروج بخبث لمفهوم أن كل قيمة عربية أو شرقية أصيلة هي بالضرورة قيد يعيق التقدم، بينما يتم فرض نماذج غربية بحتة ومعزولة عن واقعنا باعتبارها قمة الحداثة.
  وإقصاء الهوية اللغوية والتاريخية لصالح لغات هجينة وأفكار مستوردة لتقتل الانتماء الجذري لدى النشء
بل وتفكيك المنظومة الأخلاقية وترك الشباب في حالة من التيه بلا مرجعية تحميهم من التيارات الجارفة.

لا يقف الأمر عند حدود النقد وتهميش العائلة والجذور ، بل يتم تصدير حزم جاهزة من الأفكار عبر الشاشات ومنصات التواصل الاجتماعي تهدف بوضوح إلى خلق جيل هش، منقطع الصلة بماضيه.
  اليوم تجد الشباب يمتلكون فكرة  "أنا ومن بعدي الطوفان"، مما ينسف قيم الإيثار، والتكافل الاجتماعي، وبر الوالدين التي قامت عليها حضارتنا.
وتشجيع القطيعة مع الكبار تحت غطاء "الاستقلالية"، وجعل الاحترام المتبادل يبدو وكأنه خضوع مهين.
  والشعور الدائم بالنقص والدونية من حضارتنا تجاه كل ما هو غربي، واعتبار التراث العربي مجرد كتلة من الأخطاء التي يجب التخلص منها.

لقد بدأ بتفكك العائلية حتى يسهل السيطرة على الشباب في الماضي، كان الغريب يجد في العائلة سندًا وفي الحي قلعة تحميه؛ اليوم تحول الأفراد داخل البيت الواحد إلى غرباء  وتحكمهم العزلة الرقمية.
لقد اندثرت  تلك التجمعات التى كانت تجمعنا بالعائلة التى كانت تخلق ذكريات وتُروى فيها أمجاد الأجداد، أُبدلت بغرف دردشة افتراضية فارغة من أي محتوى إنساني حقيقي.

إنه لمن المفجع حقاً أن نقف عاجزين أمام محاولة محو ملامحنا، وأن نرى أطفالنا يرفضون لغتهم وتاريخهم وكأنهم غرْباء في أوطان أجدادهم.  سحقاً لتلك الحداثة التي تسرق منا إنسانيتنا وتتركنا هياكل بلا قلوب، أشخاصاً تائهين بلا جذور تحت سماء عارية.

أنت لست كائناً بلا تاريخ. تمسك بملامحك، بقميص أبيك، وبحكايات أمك، وبتراب هذا المشرق العظيم.. فما مات قوم استوطن الوفاء صدورهم، وما ضاع من حفظ عهده مع الأرض والسماء.

شارك هذا المنشور
الأرشيف
تسجيل الدخول حتى تترك تعليقاً