تخطي للذهاب إلى المحتوى

من وحي رسالة أب.. مرآة الروح

26 سبتمبر 2026 بواسطة
رئيس التحرير د. منى جمال
لا توجد تعليقات بعد

بقلم د. عبير سعد

يا بني..
ما أنا عنك بغريب، بل أنا لك مرآةٌ، أواجه تقلّبات الحياة كما تواجهها أنت. وما أراه فيك من عزم، وما تحققه بسعيك من ثمار، إنما هو امتدادٌ لي فيك؛ فنجاحك في علاقاتك، وعملك، وسعيك، وسائر شؤون حياتك، ليس أمرًا يمرّ بي عابرًا، بل يمسّ في داخلي موضعًا عميقًا لا ينفصل عنك.

فما بيني وبينك ليس شراكةً عابرة، بل وشيجةٌ عميقة؛ فما يمسّك يمسّني، وما يثقلك أريد أن أشاركك حمله، وما يفتح لك بابًا من الخير يشرق في قلبي سرورًا.

وربما لم تأخذ حظك الكافي من صحبتي لضرورة السعي وتشعّب الطريق، لكنني أحاول اليوم أن أستدرك ما فات، وأن أرمّم ما يمكن ترميمه من عُرى الأيام؛ بالنصح حين ينفع، والتوضيح حين يلتبس الطريق، والمشاركة حين يثقل عليك الحمل، وأن أمنحك من تجربة السنين ما قد يختصر عليك بعض الطريق.

واعلم يا بني أن الحياة كثيرة التعقيد، وأن السير فيها لا يحتاج إلى القوة وحدها، بل إلى بصيرةٍ تضبط الخطى، وصبرٍ يعينك حين تشتدّ المكاره، ونفسٍ تعرف متى تُقدم، ومتى تتراجع، ومتى تصبر على ما تكره، ومتى تترك ما تشتهي.

فلعل من أصدق مفاتيحها أن تتعلم أن تحتمل ما تكره حين يكون في احتماله خير، وأن تترك ما تشتهي حين يكون في تركه نجاة؛ فليس كل ما تشتهيه النفس نافعًا لها، ولا كل ما تكرهه شرًا عليها، وإنما الحكمة أن تعرف متى يكون الصبر قوة، ومتى يكون الامتناع نجاة.

وبقدر ما تتعلم أن تملك زمام نفسك، وأن تضبط شهواتك، وأن تصبر على ما ينبغي الصبر عليه، تزداد قدرةً على أن تمضي في طريقك بثبات، وترتقي في أسباب النجاح في دنياك، وترجو بذلك فلاح آخرتك.

وحين أسألك عن شأنك، أو عن قرارٍ اتخذته، فلا تظن أنني أقف منك موقف الرقيب والمحاسب، ولا أنني أريد أن أضع حياتك تحت عيني في كل خطوة؛ إنما أسأل لأنني أريد أن أشاركك شيئًا من حمل الطريق، وأن أضع بين يديك ما أستطيع من خبرةٍ وتجربة.

فلا تنظر إلى الاستعانة بمن سبقك على أنها عجز؛ فالإنسان لا يخوض كل طريق وحده، ومن الحكمة أن ينتفع بما وهب الله الآخرين من علمٍ وخبرة. فرب كلمةٍ صادقة اختصرت عليك طريقًا، ورب تجربةٍ سبقتك أنقذتك من عثرة.

فخذ بيدي كما آخذ بيدك، واستعن بي ما استطعت؛ لا لأختار عنك، ولا لأعيش حياتك بدلًا منك، وإنما لأكون إلى جوارك حين تحتاج المشورة، وأترك لك من خبرتي ما ينفعك، ثم أراك تمضي بخطاك أنت، وبقرارك أنت، مستعينًا بالله.

وحيث إن الله لم يجعل الناس سواءً في المواهب والقدرات والأسباب، فلا تقارن نفسك بغيرك، ولا تستكثر على أحد ما وهبه الله له؛ بل اعرف ما وهبك الله من طاقات، واستنفدها، وأحسن استخدام ما أتيح لك من أسباب.

اسأل حين تحتاج إلى معرفة، واستشر حين يلتبس عليك الطريق، وتعلّم من تجربة غيرك قبل أن تدفع ثمن التجربة وحدك.

فالاستقلال الحقيقي ليس أن تحمل كل شيء وحدك، بل أن تعرف متى تمضي وحدك، ومتى تستعين، ومتى تستمع إلى النصيحة، ثم تختار بوعيٍ ومسؤولية.

فامضِ يا بني بمعية الله، عزيز النفس، ولا تجعل خوفك من الخطأ يحرمك شرف المحاولة.

ولتكن طاعتك لربك، وحفظك لكرامتك، واستنفادك لما وهبك الله من طاقات، وسعيك إلى ما ينفعك، هي بوصلتك في هذه الحياة.

ومع أنني مهما حاولت فلن أستطيع أن أمشي الطريق عنك؛ فلك خطاك، ولي دعائي، ولك سعيك، ولي قلبي الذي يظل معك حيث كنت.

وإن فرّقت بيننا الأيام يومًا، أو حالت المسافات دون الصحبة، فستظل في موضعك من قلبي؛ فإن فارقت الروح الجسد، بقيت الدعوات تصاحب من نحب.

شارك هذا المنشور
الأرشيف
تسجيل الدخول حتى تترك تعليقاً

قراءة التالي
حُمّى الاستهلاك..