د. محمود شعبان - مصر
(كيف تدير ما أوتيت بذكاء؟)
( لا تصادر مستقبلك
بانغماسك في حاضرك ) .
يقول تعالى في محكم التنزيل:
" وما أوتيتم من شيء فمتاع الحياة الدنيا وزينتها، وما عند الله خير وأبقى ، أفلا تعقلون " القصص ٦٠ .
(ماذا أوتيت في حياتك؟) .
قد يكون أول ما يخطر ببالك قارئي العزيز هو( المال ، البيت، السيارة) ، وغير ذلك من أشياء مادية ، لكن ماذا عن (الوقت ، الصحة ، العقل ،الخبرات ، المواهب ) ، أليس كل ذلك مما أوتيته من موارد منحها لك الخالق سبحانه ؟.
إن هذه العطاءات الربانية التي آتاك الله لها قيمتها وأنت ممتحن في كيفية إدارتها
؛لذلك فالسؤال الأهم ليس: ماذا أملك؟
بل: ما قيمة ما أملك؟ وكيف أستخدمه؟ وماذا سيبقى منه؟ ؛
فليست كل الأشياء متساوية في القيمة، وليست كل الأولويات متساوية في الأهمية.
فالساعة التي تقضيها مع من تحب قد تكون أثمن من أشياء كثيرة تستطيع شراءها ، والعلم الذي تتعلمه اليوم قد يصنع لك مستقبلا أفضل، والصحة التي تحافظ عليها اليوم قد تكون أهم من رفاهية مؤقتة زائلة .
إن إدارة الحياة بذكاء تبدأ من معرفة قيمة ما أوتيت ، ثم ترتيب أولوياتك على أساس معيار القيمة.
وهنا أقول لك مخلصا :
( لا تصادر مستقبلك بانغماسك في حاضرك ).
فأن تستمتع بالحاضر ليس خطأ ، وأن تخطط للمستقبل ليس حرمانا من الحياة. الحكمة أن تعطي الحاضر حقه دون أن تضيع المستقبل وتصادره .
فالوقت الذي تنفقه اليوم لن يعود، والمال الذي تنفقه له بدائل ضحيت بها، والطاقة التي تستهلكها في أمر ما لن تستطيع استخدامها في أمر آخر ، وهذا هو ما
يعرف في علم الاقتصاد باسم :
(تكلفة الفرصة البديلة)
فإنك عندما تختار شيئا ، فأنت في الوقت نفسه تتنازل عن شيء آخر كان يمكن أن تفعله بالموارد نفسها.
ومن أجمل ما يوجه هذا المعنى قوله تعالى في سورة الحشر آية ١٨:
" يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله ، ولتنظر نفس ما قدمت لغد ، واتقوا الله إن الله خبير بما تعملون " .
إنها دعوة إلى أن تنظر إلى ما تقدمه لمستقبلك القريب والبعيد فلا تستهلك مواردك كلها في حاضر لن يدوم ، بل (تزرع اليوم ما تحصد غدا ) .
فما الذي تبنيه اليوم؟ ، وما الذي تؤجله؟
وما الذي تستهلكه؟ ، وما الذي تدخره أو تستثمره ؟ .
وفي التنمية البشرية ، يضع (ستيفن كوفي ) في كتابه :(العادات السبع للناس الأكثر فعالية " مبدأ مهما جدا هو:
" ابدأ والغاية في ذهنك " .
أي أن تعرف إلى أين تريد أن تصل ، ثم تنظر إلى قراراتك اليومية في ضوء هذه الغاية.
وهذا هو الفرق بين أن تعيش يومك فقط ، وأن تدير حياتك ومواردك بذكاء .
أن تسأل قبل أن تنفق وقتك:
(هل هذا يقربني من الغاية التي أريدها؟)
وقبل أن تنفق مالك:
(هل هذا يخدم أولوياتي؟ )
وقبل أن تدخل في علاقة أو مشروع:
( هل يضيف إلى حياتي قيمة حقيقية؟ )
، ثم يأتي معيار آخر لا يقل أهميةهو :
( الأثر والاستمرار ) .
يقول تعالى:
" المال والبنون زينة الحياة الدنيا والباقيات الصالحات خير عند ربك ثوابا وخير أملا " الكهف ٤٦ .
فليست كل الأشياء متساوية في بقائها ،
هناك ما يمنحك متعة لحظية وينتهي، وهناك ما ينميك، وهناك ما يترك أثرا يتجاوزك.
كتاب تقرؤه وينتهي ، لكن أثره قد يبقى في طريقة تفكيرك.
علم تتعلمه قد يتحول إلى فرصة ،
إنسان تعلمه قد يحمل أثرك إلى غيرك.
كلمة طيبة تقولها قد تبقى في قلب إنسان سنوات.
الحياة ليست في مقدار ما أوتيت فقط، وإنما في مقدار ما أحسنت استخدامه.
فاسأل نفسك:
ماذا أوتيت؟ ، وماهي قيمته ؟
وهل رتبت أولوياتك بحسب هذه القيمة؟
ماذا تقدم لغدك؟ ، وماذا سيبقى لك غدا؟
فلا تصادر مستقبلك بانغماسك في حاضرك ، ولا تؤجل حياتك كلها إلى المستقبل.
استمتع بما أوتيت، وطوره، واستثمره، واجعل له أثرا.
فالحكمة ليست أن تملك أكثر ، وإنما أن تعرف قيمة ما تملك ، وتحسن إدارته، وتعرف ماذا يستحق أن تعطيه من عمرك.
" وما أوتيتم من شيء فمتاع الحياة الدنيا وزينتها، وما عند الله خير وابقى أفلا تعقلون " ،
ففي ختام الآية دعوة ربانية لاستعمال عقلك في إدارة مواردك بذكاء.