تخطي للذهاب إلى المحتوى

خير_وأبقى (13)

30 أغسطس 2026 بواسطة
رئيس التحرير د. منى جمال
لا توجد تعليقات بعد

د. محمود شعبان - مصر

(ماذا سيبقى منا بعد رحيلنا؟)

عندما يتحول المرء من جامع للثمار إلى زارع للأشجار ، وعندما تصبح أجمل أفعاله أثرا طيبا يعرف بعد رحيله ، يكون قد بدأ يفهم المعنى الحقيقي للحياة .
عندما يموت الإنسان ولا يموت ما صنع ، فقد يوارى جسده التراب ويبقى أثره باقيا ، ينتهي عمره ويبقى عمله وأثره بين الناس ، فليس المهم أن يعيش المرء طويلا بقدر ما هو مهم جدا له أن يترك أثرا يعيش طويلا ، والله تعالى يقول في محكم التنزيل  :
" إنا نحن نحيي الموتى ونكتب ما قدموا وآثارهم وكل شيء أحصيناه في إمام مبين "  يس ١٢ .
فتأمل قارئي الكريم  قوله تعالى: "
و" آثارهم " ،
فلم يقل الله فقط: ما قدموا، وإنما أضاف إليها آثارهم ؛ لأن هناك أعمالا تنتهي بانتهاء أصحابها ، وهناك أعمالا تبقى آثارها بعد رحيل أصحابها .
وقد ذكر المفسرون أن من معنى" آثارهم" ما يبقى من آثار الإنسان من سنة حسنة أو سيئة ، ومن ذلك أيضا خطواته التي يمشيها إلى الخير ، كما في الحديث الشريف :" من سن في الإسلام سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة  " ،
ولما أراد بنو سلمة الانتقال إلى جوار مسجد النبي(ص) لبعد منازلهم عنه ، قال لهم صلوات الله وسلامه عليه :
" عليكم منازلكم تكتب آثاركم " .
فحتى خطواتك إلى المسجد تكتب لك ،
حتى الطريق الذي تمشيه إلى الخير لا يضيع ؛ فكيف بما تركته من علم نافع ، أو ولد صالح ، أو صدقة جارية ، أو كما جاء في حديث النبي (ص) :
" إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له " .
وفي حديث آخر عنه(ص) أكثر تفصيلا في معنى الأثر الذي يبقى بعد الموت
يقول صلى الله عليه وسلم :
" إن مما يلحق المؤمن من عمله وحسناته بعد موته علما علمه ونشره، وولدا صالحا تركه، ومصحفا ورثه، أو مسجدا بناه، أو بيتا لابن السبيل بناه، أو نهرا أجراه، أو صدقة أخرجها من ماله في صحته وحياته، يلحقه من بعد موته " .
فتأمل هذا الحديث الجميل قارئي العزيز
وكأنه(ص) يقول لنا : لا تجعلوا نهاية أعماركم هي نهاية أعمالكم فقد ينتهي عمرك ويظل عملك بعد رحيلك باقيا .
فاترك شيئا يستمر بعدك ، اترك علما ينتفع به الناس ، اترك صدقة ينتفعون به ،
اترك مسجدا أو سبيلا أو ماء أو مصحفا.
اترك ولدا صالحا يحمل من خيرك شيئا إلى الناس فيدعون لك ويذكرونك بخير.
وفي علم النفس، تحدث إريك إريكسون عن مفهوم سماه :   "التوليدية" (Generativity) ، وهي أن يصل الإنسان في نضجه إلى مرحلة لا يعود فيها همه فقط ماذا أخذت من الحياة ؟ وإنما يبدأ في السؤال : ماذا سأعطي لمن يأتي بعدي؟ ماذا سأترك؟ ماذا سأزرع ليستفيد منه غيري؟
وكأن الإنسان ينتقل من مرحلة جمع الثمار إلى مرحلة زرع الأشجار ؛
فلا يعود النجاح عنده بما يملكه فقط، وإنما بما يتركه وراءه من أثر .
وقد يكون هذا هو أحد أجمل معاني النضج: (أن تتحول من مستهلك للحياة إلى صانع للحياة) ، ومن (جامع للثمار إلى زارع للأشجار) .
عزيزي القارئ :
قد تتوقف دقات قلبك ، لكن قد يستمر قلب آخر ينبض بما تعلمه منك ،
قد ينتهي عمرك ، لكن لا ينتهي بالضرورة ما زرعته في أعمار الآخرين .
فالإنسان لا يستطيع أن يختار مقدار عمره، لكنه يستطيع أن يختار مقدار أثره.
ولا يستطيع أن يمنع الموت ، لكنه يستطيع أن يترك وراءه ما يجعل الناس يذكرونه بخير ويدعون له ، ولله دره أمير الشعراء أحمد شوقي (ح) ما أروع قوله:
" دقات قلب المرء قائلة له
                     إن الحياة دقائق وثواني
فأحسن لنفسك بعد موتك ذكرها
                      فالذكر للإنسان عمر ثان "
فخير وأبقى لك عزيزي القارئ ألا تكون مجرد جامع للثمار ، بل كن زارعا للأشجار
ازرع اليوم شيئا يستظل به غيرك غدا.
ازرع أثرا يبقى من بعدك فقد تنتهي حياتك لكن تبقى آثارك وأعمالك .
"وكن رجلا إن أتوا بعده
                        يقولون مر وهذا الأثر "
وفي الدعاء المأثور : "اللهم اجعلني ممن طاب ذكرهم ، وحسنت سيرتهم في الحياة وبعد الممات " ،
فاختر لنفسك ما تخلفه بعدك من أثر سواء كان علما نافعا ، او ولدا صالحا ، أو صدقة جارية ، أو إصلاحا بين الناس ، أو غير ذلك مما يكون شاهدا لك لا عليك بعد الرحيل ، أو سنة حسنة لك أجرها وأجر من عمل بها من بعدك ، والله تعالى يقول : " والباقيات الصالحات خير عند ربك ثوابا وخير أملا " الكهف ٤٦ ،

" وما عند الله خير وأبقى " القصص ٦٠ .

شارك هذا المنشور
الأرشيف
تسجيل الدخول حتى تترك تعليقاً