تخطي للذهاب إلى المحتوى

الذي لم يمت تلك الليلة

13 سبتمبر 2026 بواسطة
رئيس التحرير د. منى جمال
لا توجد تعليقات بعد


بقلم : تركي الزهراني

في صباح اليوم التالي ارتكب العالم خطأه الأول:

أشرقت الشمس.

كان ذلك طبيعيا إلى الحد الذي بدا لي قاسيا. فتحت المتاجر أبوابها في مواعيدها، وازدحمت الطرق بالعابرين، وتجادل رجلان عند إشارة المرور، وركض طفل خلف شيء أفلت من يده. حتى الأشجار كانت تتحرك مع الريح كأن الليل لم يأخذ من هذه المدينة أحدا.

وقفت أمام المرآة قبل أن أخرج. لم أكن أبحث عن شيء. عدلت ياقة ثوبي ومضيت.

كنت أظن أن الفواجع الكبيرة لا بد أن تترك خللا ما في نظام الكون، أن تتأخر الشمس قليلا، أو تخطئ ساعة في حساب الوقت، أو تستيقظ المدينة ناقصة الضوء، أو يحدث أي شيء صغير يثبت أن العالم انتبه إلى ما حدث.

لكن شيئا لم يحدث.

كان النقص كله في جهة واحدة: في الداخل.

ومنذ ذلك الصباح بدأت أفهم أن الحياة لا تتوقف احتراما لأحد. وهذه حقيقة تبدو بسيطة حين نقرأها، ووحشية حين نعيشها. يمضي الناس إلى أعمالهم، وتصل المواعيد في أوقاتها، وتنتهي نشرات الأخبار وتبدأ أخرى، ويظل الإنسان واقفا أمام حدث واحد كأن الزمن نسي أن يأخذه معه.

كنت واحدا من أولئك الذين تأخروا عن العالم.

لم أعرف في البداية ماذا أفعل بالأيام. كانت تصلني كاملة، أربعا وعشرين ساعة في كل مرة، وأنا لا أحتاج منها كل هذا القدر.

كنت أستيقظ ولا أعرف لماذا يبدو الصباح طويلا، وأجلس مع الآخرين فأتعجب من قدرتهم على الحديث عن أشياء صغيرة: موعد، فاتورة، سفر، مباراة، طقس.

ثم فهمت أن المشكلة لم تكن في أحاديثهم، بل في أنني فقدت مؤقتا القدرة على تصديق أن الأشياء الصغيرة مهمة.

الفاجعة تفسد موازين الأشياء. تجعل ما كان كبيرا بالأمس ضئيلا، وما لم تكن تراه من قبل هائلا. ثم تبدأ الحياة، ببطء، في إعادة الأحجام إلى أماكنها، لا دفعة واحدة ولا برفق، بل بتلك الطريقة الغامضة التي يعتاد بها الإنسان ما كان يقسم أنه لن يعتاده.

وذات يوم ضحكت.

خرجت الضحكة مني قبل أن أستأذن نفسي، ثم توقفت.

شعرت بشيء يشبه الخجل.

كيف استطاع جسدي أن ينسى للحظة؟

بقي السؤال معي زمنا حتى أدركت أن الجسد أكثر حكمة منا أحيانا. نحن نطالبه بأن يعلن الحداد إلى الأبد، وهو يعرف أن عليه أن يحملنا إلى الغد.

فنأكل، وننام، ونعمل، ونضحك، لا لأن ما حدث أصبح أقل شأنا، بل لأن الإنسان لا يستطيع أن يعيش حياته كلها في اللحظة نفسها.

ومع الأيام بدأت ألاحظ تحولا آخر.

اللغة نفسها تغيرت.

كانت هناك كلمة صغيرة أكره سماعها:

كان.

كان يحب.
كان يقول.
كان يفعل.

كنت أتوقف عندها أكثر مما أتوقف عند بقية الجملة.

ثلاثة أحرف فقط، لكنها كانت تفصل عالما عن عالم،
قبلها إنسان، وبعدها ذكرى.

ولوقت طويل رفضت أن أستعملها.
كنت أتحايل على الجمل، وأغير ترتيبها، وأختار أفعالا أخرى، كأنني إذا رفضت صيغة الماضي استطعت أن أعطل حكم الزمن.

لكن اللغة لا تجامل أحدا.

وفي يوم ما قلتها:

كان أخي.

ثم سكت.

لم يحدث شيء.

لم يسقط سقف الغرفة، ولم يتغير صوتي، ولم ينتبه أحد إلى المعركة الصغيرة التي انتهت للتو داخلي.

وهنا عرفت أن الإنسان قد يعبر أكثر لحظاته قسوة دون أن يصدر عنه صوت.

بعد ذلك صار الأمر مختلفا.

لم أعد أحصي الأيام، ولم أعد أراقب نفسي لأعرف إن كنت حزينا بما يكفي. اكتشفت أن الوفاء لا يقاس بمقدار الألم الذي نستطيع الاحتفاظ به، وأن الإنسان لا يخون من أحب حين يواصل حياته.

لهذا لم أحب كلمة ( التجاوز ).

نحن نتجاوز العقبات،
أما البشر فلا.

لا نعبرهم ونتركهم خلفنا.
إنهم يدخلون في تكويننا بطريقة لا ننتبه إليها.
يتركون فينا طريقة في الكلام، أو حركة يد، أو حكما على الأشياء، أو خوفا لم يكن موجودا، أو شجاعة لا نعرف من أين جاءت.

وبعد مدة يصعب أن تعرف أين تنتهي أنت وأين يبدأ الذين مروا بك.

ربما لهذا لم يعد السؤال عندي: كيف أعيش بعده؟

صار السؤال:

من الذي سيعيش بعده؟

فالإنسان الذي يدخل تجربة كهذه لا يخرج منها بالشخص نفسه.
ثمة أشياء تسقط منه في الطريق،
أوهام صغيرة كان يحتاجها كي يشعر بالأمان: أن الغد مضمون، وأن التأجيل متاح دائما، وأن هناك وقتا كافيا للاعتذار، ووقتا آخر للزيارة، ويوما مناسبا سنقول فيه الكلام الذي نؤجله الآن.

كنت أعيش، مثل كثيرين، كأن الحياة أعطتنا مسودة أولى، وكأن النسخة النهائية ستأتي لاحقا.

ثم اكتشفت أنها لا تفعل.

كل شيء يحدث بالحبر.

كل كلمة قلتها بقيت، وكل كلمة أخرتها قد لا تجد فمها مرة أخرى.

وهذا ما تغير في أكثر من الحزن نفسه.

صرت أقل ثقة بالوقت. لا أخافه، لكنني لم أعد أصدقه تماما. حين يقول (غدا) أترك في داخلي احتمالا صغيرا ألا يأتي. وحين أغادر شخصا أحبه، أحاول ألا أترك بيني وبينه شيئا ثقيلا يصلح لأن يصبح ندما.

ليس لأنني أصبحت أكثر حكمة.

بعض الدروس لا تدخل الرأس.

تدخل من مكان آخر تماما.

ومضت الشهور، وعادت الأشياء إلى أحجامها.

صارت المواعيد مهمة مرة أخرى، وصرت أغضب من ازدحام الطريق، وأفكر في العمل، وأخطط لأيام لم تأت بعد.

حتى إنني نسيت أحيانا أنني تغيرت.

وهذه إحدى حيل الحياة؛ أنها لا تعيدك إلى ما كنت عليه، لكنها تجعلك تنشغل بما أصبحت عليه حتى تكف عن البحث عن النسخة القديمة منك.

ظننت أن هذا هو التصالح: أن تستطيع النظر إلى الخلف دون أن تسقط، وأن تذكر الاسم ويبقى صوتك في مكانه، وأن تستيقظ ولا يكون أول ما تتذكره هو ما حدث.

وبدأت أصدق أنني نجوت.

لا بالمعنى الكبير للكلمة، بل بذلك المعنى البسيط الذي يسمح للإنسان بأن يعود إلى بيته مساء ويشعر أن يومه كان عاديا.

وفي مساء من تلك المساءات عدت إلى البيت.

لم يكن في اليوم شيء يستحق أن يبقى في الذاكرة.

وضعت أشيائي جانبا، وغسلت وجهي، ثم وقفت أمام المرآة.

المرآة نفسها.

تذكرت فجأة ذلك الصباح البعيد،  الرجل الذي وقف أمامها، وعدل ياقة ثوبه، ثم خرج إلى عالم كان غاضبا منه لأنه تجرأ على أن يستمر.

حاولت أن أتذكره.

لا ملامحه، بل نظرته.

طريقته في فهم الحياة.

ثقته القديمة بالأيام.

وذلك الاطمئنان البسيط الذي كان يحمله دون أن يعرف أنه نعمة.

بحثت عنه طويلا.

ولم أجده.

عندها فقط فهمت لماذا لم تتغير المرآة منذ ذلك الصباح،
ولماذا احتجت كل هذا الوقت كي أفهم ما رأته قبلي.

في تلك الليلة مات أخي.

وفي الصباح خرجت من البيت....

وأنا أظن أن الجنازة كانت له وحده.!

شارك هذا المنشور
الأرشيف
تسجيل الدخول حتى تترك تعليقاً