بقلم د: داليا صلاح
"على ضفاف الذاكرة"
"على ضفاف الذاكرة"
حين يلامس صدى الزمن أبواب الروح، تتكسر مرايا اللحظات الراحلة، لتترك خلفها شظايا من حنينٍ نقيّ، وأسئلةٍ تثقل كاهل الفكر. ففي عتمة الذاكرة ودهاليزها، يتردد صوت الشوق كترنيمة هادئة تداعب شغاف القلب في خلواته. وحين يستيقظ الماضي بأشواقه، لا يكفي مجرد تذكّره، بل يظل أزيز الحنين يطرق الوجدان، ليوقظ في النفس رغبةً صادقةً في استعادة ملامح أيامٍ ولّت، واستحضار طيوف الراحلين الذين طُبعت آثارهم في أعماق القلب، فغدت جزءًا لا يتجزأ من تكوينه.
وفي الزوايا الهادئة للنفس، حيث تتوارى غرف الصمت الغامضة، تتردد أسئلة حائرة تبحث عن جواب: أترانا نغرق في دوامة التساؤلات بلا نهاية، أم إننا نهرب خوفًا من مواجهة الحقيقة؟ تلك الحقيقة التي، وإن بدت قاسيةً في أول الأمر، تحمل في طياتها مفاتيح النضج والوعي.
فالتوقف بهدوء أمام تفاصيل هذه الأسئلة لا يقود فقط إلى فهم المعنى، بل يمنح الروح بصيرةً أعمق؛ إذ يدرك الإنسان أن العقل، حين يرفض الاستغراق الطويل في اجترار الماضي، إنما يمارس طقسًا خفيًا من الحماية، ليقي القلب من الغرق الدائم في أطلال الأماكن وانكسارات الندم.
وهنا يشرق التحول الجميل؛ فلا ينبغي للماضي أن يتحول إلى سجنٍ دائم للأحزان والندوب، بل يجدر أن يُقرأ بوصفه لوحةً إنسانيةً صادقةً، مُزجت ألوانها بين قسوة التجربة وروعة الإشراق.
فكل تجربة مرّت، وكل جرح ترك أثرًا، يظل في ميزان الروح صقلًا للجوهر وإثراءً للعمق الإنساني. ومن بين أطياف هذه التجارب يولد اليقين الصافي؛ فلا قيمة لذكرى لا تثمر وعيًا وسلامًا، ولا معنى لألمٍ لا يتعلم الإنسان كيف يعبر به نحو النور.
إن اللحظات الجميلة مهما قصرت أيامها وضاقت مساحاتها، تظل كنجومٍ ساطعةٍ تخترق عتمة الليل، لتؤكد أن الروح الإنسانية قادرةٌ دومًا على الانبعاث، وصناعة الفرح من رحم المعاناة، والعبور الواثق من ضفاف الذكرى الموحشة إلى فضاءات الغد المشرق، بيقينٍ هادئٍ لا يلين.