بقلم: د. عبير سعد
في زمنٍ أصبح فيه الإنسان أكثر انشغالًا بسؤال: «ماذا أريد لنفسي؟»،
وأقل انشغالًا بسؤال: «ما الذي تقتضيه مسؤوليتي؟»،
أصبح بعض الأزواج ينظرون إلى الزواج من زاوية الشغف المحض.
فإن قلّ الاهتمام، أو لم يجد أحدهما من شريكه ما اعتاد أن يجده، بدأ التفكير في الرحيل، وكأن الزواج علاقة لا تستحق الاستمرار إلا ما دام الشعور ممتلئًا متأججًا.
وهنا نحتاج أن نتوقف قليلًا.
الحياة الزوجية ليست حالة وجدانية واحدة ثابتة، فلا يستطيع إنسان أن يمنح إنسانًا آخر الإحساس نفسه بالقوة نفسها في كل وقت.
وهنا تظهر آفتان من أخطر ما يؤثر في تقييم خلافاتنا:
#أولاهما: الفراغ؛ حيث يضخّم الشعور.
فحين تتقزم مسؤوليات الإنسان، ويضيق عالمه إلى ذاته ومشاعره واحتياجاته، يصبح أكثر التفاتًا إلى ما ينقصه، وأكثر مراقبة لما يشعر به.
وقد يتحول احتياج عاطفي كان يمكن أن يبقى في حجمه الطبيعي إلى قضية تستحوذ على التفكير.
وهنا قد يبدو له أن المشكلة أكبر مما هي عليه؛ ليس لأن شعوره وهْم، وإنما لأن الفراغ يمنحه مساحة أكبر ليحدّق في النقص، حين تصبح «الذات» هي مركز الحياة الوحيد.
الزواج ليس مشروعًا لإشباع احتياجات شخصين طوال الوقت، إنه حياة كاملة؛ فيه مودة، وفيه مسؤولية، وفيه عمل وعطاء، وفيه أبناء يحتاجون إلى أب وأم، وفيه أيام يملك فيها الإنسان طاقة كبيرة للعطاء، وأيام لا يملك فيها إلا القليل.
وحين ينشغل الزوجان ببناء حياتهما، ويعطيان أبناءهما حقهم من الرعاية والتربية والوجود، ويشتركان في حمل أعباء البيت، لا تختفي الاحتياجات العاطفية، لكنها لا تصبح المحور الوحيد الذي تدور حوله الحياة...
و#ثانيتهما: المقارنة، وهي العنصر الأخطر:
حين ننظر إلى علاقات الآخرين من الخارج، فنرى الرسائل الجميلة، والصور، والرحلات، والهدايا، والكلمات الرومانسية، واللحظات التي اختار أصحابها أن يظهروها لنا، فإننا لا نرى ما وراء الأبواب المغلقة.
لا نرى التعب، وسوء الفهم، والاختلاف، والضغوط، والاحتياجات التي لم تُلبَّ، والأيام التي احتاج فيها أحدهما إلى الصبر على الآخر.
ولهذا قد يقارن الزوجان حياتهما بآخرين، ثم يبدأ كل واحد منهما في تخيل أن الآخرين يعيشون الحياة التي حُرم هو منها، والحقيقة أن ما نراه من حياة الآخرين هو مشهدٌ من الحياة، لا الحياة كلها.
وقد حذرنا القرآن الكريم من هذه المقارنات في قوله تعالى:
﴿لَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَىٰ مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِّنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ﴾ [طه: 131].
الزواج سفينة تمضي في بحر الحياة، وفي البحر أيام هادئة، وأيام عاصفة.
قد يمرض أحد الزوجين، أو تتغير الظروف، أو تزداد المسؤوليات، أو يكبر الأبناء، أو تضيق الموارد، أو تتبدل الأولويات.
وفي بعض المراحل قد لا يملك أحد الزوجين فائضًا من الطاقة ليقدم للآخر القدر نفسه من الاهتمام الذي كان يقدمه في بداية الزواج،
فقد تكون المرحلة الجديدة تحتاج إلى صبر أكثر، وفهم أعمق، وعطاء مختلف، وإعادة ترتيب للأولويات؛ كأن نرعى المودة، وأن نتحدث، وأن نفهم احتياجات بعضنا بدلًا من أن نحاكم بعضنا بسببها.
فالأسرة لا تُبنى على الشغف؛ الشغف يتغير، والمشاعر تتبدل، لكن المسؤولية لا ينبغي أن تتبدل كلما تبدل الشعور.
وليس هذا الوعي بجديد؛ بل هو أصلٌ في فقه البيوت واستقرارها.
فحين تضيق مساحة العاطفة ويتسلل الفتور، لا ينبغي أن يُهدم البيت تسرعًا؛ وقد رُوي عن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب (رضي الله عنه) أنه قال لرجل همّ بطلاق زوجته بحجة غياب المشاعر:
«ويحك! وهل كل البيوت تبنى على الحب؟! فأين الرعاية والتذمم؟».
ورُوي عنه أيضًا في قصة امرأة صرّحت لزوجها بفتور مشاعرها، أنه قال لها:
«ليس كل البيوت تُبنى على الحب، ولكن الناس يتعاشرون بالإسلام والأحساب»؛ فالبيوت تُبنى بالوفاء، وتستمر بالمسؤولية، وتحتمي بالصبر حين تفتر العواطف بفعل الضغوط.
إن هذا التماسك ليس تهميشًا للمشاعر، بل هو حماية للأبناء من الضياع والوقوع بين شقي رحى الخلافات والأنانية؛ وهو ذات الخوف الذي زلزل قلب الصحابية خولة بنت ثعلبة حين وقفت تشتكي وتجادل رسول الله ﷺ في زوجها، بشكوى تدمي القلوب تلخص حال الأبناء عند انفصال الأبوين: «يا رسول الله، إن لي منه أولادًا، إن ضممتهم إلي جاعوا، وإن ضممتهم إليه ضاعوا.».
لقد لخصت بعبارتها وجع التشتت؛ فالأم تملك الحنان والرعاية وتخشى عليهم الفقر، والأب يملك النفقة والأمان والدعم والحماية، وقد يفقد الأبناء في خضم الصراع ما يحتاجونه من أحدهما.
لذلك، فالأبناء ليسوا تفصيلًا جانبيًا في قصة الزواج، إنهم جزء من الميثاق الغليظ الذي أصبح الزوجان مسؤولين عنه.
ومن هنا، فإن الأسرة ليست مكانًا ينسحب منه أحد الزوجين كلما لم تعد مشاعره في أفضل حالاتها.
فالزواج ليس قائمًا على سؤال:
«هل أنا سعيد الآن؟» فقط، بل على أسئلة أكبر قبل أن يقرر أحد الزوجين أن سفينته لم تعد تستحق الإبحار:
- هل أعطيتُ هذه الحياة حقها من العطاء ورعيتُ المودة؟
- وماذا سيحدث لأبنائي إذا جعلتُ شعوري الشخصي وحده معيار قراري؟
- وهل بذلتُ ما أستطيع قبل أن أبحث عن مخرج؟
- وهل أريد حقًا أن أُسقط بيتًا كاملًا لأن شعوري لم يعد يشبه شعوري في البدايات؟
لا تجعلوا الفراغ قائدًا للسفينة، فليس كل فتور دليلًا على أن الزواج انتهى، ولا تنظروا إلى حياة غيركم، فليس كل ما نفتقده في بيوتنا موجودًا كاملًا في بيوت الآخرين.
الزواج ميثاق، والأبناء أمانة، والبيت الذي تعصف به الرياح لا يحتاج دائمًا إلى مغادرته، بل يحتاج إلى أن يتكاتف أهله أكثر ليُصلحوا شراعه، ويشدوا أركانه، ويواصلوا الرحلة.
أطفالنا أمانة… تستحق أن نواجه من أجلها أمواج الحياة وعواصفها حتى تبلغ برّ الأمان.