بقلم/ إيمان عبد النبي
صرنا نحيا الآن في زمن الاغتراب، فقد اختلطت المفاهيم، وتبدلت المعاني فأصبحت الطيبة رمزًا للسذاجة، ولضعف الشخصية، وعدم القدرة على قول "لا" بشجاعة.
لقد أصبحت قوة الشخصية تتمثل في القسوة والشراسة والقدرة على قهر الآخرين، كل ذلك تحت ما يسمي "الذكاء الاجتماعي".
الطيبة ليست غباء، ولا سذاجة، ولا حتى ضعف الشخصية إنما هي
نقاء وقوة إرادة، وحنان يسكن القلب النقي ويستوطنه.
الإنسان الطيب إنسان مسالم هادئ بطبعه لا يعرف للأذى طريق،
هو يملك القدرة على رد الصاع صاعين لكنه يملك قلبًا طيبًا لا يعرف التجريح ولا الإهانة.
يترك الأمر لله عز وجل فهو حسبه ووكيله وهذه هى قمة القوة والاستسلام لأوامر الله وليس ضعفًا في الشخصية.
قال الله تعالى: ﴿فسيكفيكهم الله
وهو السميع العليم﴾
هناك فارق كبير بين من يملك القدرة على الرد، والقسوة والشدة والغلظة في القول والفعل، لكنه يختار اللين والكلمة الطيبة.
الطيب الذكي يعطي بقدر لا يصل عطاؤه حد الاستنزاف، يعي متى يرد الصاع صاعين، ومتى يصمت ويترك الأمر لله، ومتى يقسو ويختار طريق الفراق إذا كانت العلاقة مؤذية.
فهناك لحظة فارقة في العلاقات يصل الإنسان فيها إلى مرحلة الفراق.
القوي فقط هو من يستطيع الفراق كما قال الخضر لنبي الله موسى عليه السلام في الآية الكريمة: ﴿هذا فراق بيني وبينك ﴾
الطيب هو من يملك هذه المقومات وقادر على القسوة والشدة، لكنه يختار طريق الطيبة بحدود، فالعطاء بحدود،فاللين وقول" نعم" بحدود، فما يتعارض مع حدوده ومبادئه يستطيع الاعتذار عنه والمواجهة بشجاعة في قول "لا".
لقد ارتبط مفهوم الطيبة في زماننا الحالي بالسذاجة وهو من أكبر الأخطاء الشائعة، فالطيبة قوة وذكاء، فطنة في إدارة العلاقات الاجتماعية وتوازن بين الحقوق والواجبات بوعي وإدراك.
ويضعنا ذلك أمام مفهوم الذكاء العاطفي كما طرحه عالم النفس الأمريكي دانيال جولمان، بما يتضمنه من وعي بالمشاعر، وضبط الانفعالات، وتعاطف مع الآخرين، وإدارة للعلاقات بوعي، وهي مهارات تلتقي في جوهرها مع الطيبة الواعية التي لا تعني" السذاجة"أو الضعف.
خلاصة القول، الطيبة عطاء بحدود، حماية للنفس وأداء الواجبات وأخذ الحقوق بذكاء.
«الطيبة فعلُ واعٍ واختيارُ لا عجزٌ وليست "سذاجة" أو ضعفًا.»
كن طيب القلب قويًا شجاعًا تواجه وترفض بقوة وذكاء، تصون نفسك وتحميها من آفات العلاقات الاجتماعية.
فلقد خُلقنا لنكون أنقياء بقلوب كقلوب الأطفال، لا تعرف للحقد ولا للغل عنوانًا، قادرة على العطاء دون استغلال، تواجه وترفض بقوة وشجاعة.