تخطي للذهاب إلى المحتوى

دفتر المطبخ

26 سبتمبر 2026 بواسطة
رئيس التحرير د. منى جمال
لا توجد تعليقات بعد

بقلم/ فيروز الحسن

دفتر المطبخ
الأحد
المدرسة بدأت اليوم.
أيقظتهما كما أوقظ جنودا صغارا في معركة النوم: خمس دقائق صبر، وخمس دقائق تشجيع، وخمس دقائق تهديد محبب.
خرجا اخيرا، والساندويش في يد كل منهما مائلا، كأنه ما زال نائما هو الاخر.
وقفت عند الباب اراقبهما وهما يبتعدان، ثم عدت إلى المطبخ لأكتشف ان المعركة الحقيقية لم تبدأ بعد.
الاثنين
قال لي زوجي وأنا أطهو
البيت أنت.
ضحكت وقلت له
البيت أنا في المطبخ فقط. أما غرفة الجلوس فهي ملك التلفزيون، وغرف النوم ملك الأطفال، والحمام.. ملك البانيو وأصحابه ههههه.
ضحك.
وبعد عشر دقائق جاء إلى المطبخ، ووقف إلى جانبي يجفف الصحون.
لم أقل شيئا.
قلت في سري فقط.. بعض الكلام، حين يصدقه الرجل، يبحث لنفسه عن مكان في البيت.
الثلاثاء
إبنتي فقدت ضرسها في المدرسة.
جاءت تبكي، ثم نسيت البكاء تماما حين وضعت الضرس تحت الوسادة.
وقبل النوم سألتني
هل سيأتي فعلا
قلتُ لها
لا نعرف يا حبيبتي... لكن ضعيه تحت الوسادة.
نامت وهي تنتظر شيئا لا أعرف إن كان سيأتي.
بقيت قليلا عند باب غرفتها.
فكرت أن بعض الحكايات لا نحتاج أن نصدقها... يكفي أن نترك لها مكانا صغيرا في البيت.
الأربعاء
قضيت نصف ليلة أمس امام التلفزيون، والنصف الآخر بين الغسيل وأشياء البيت التي لا تنتهي.
ثم سرقت من الليل دقائق وقفت فيها وحدي على شرفة صغيرة، أشرب شايا سريعا، كأني في إجازة قصيرة من كوني أنا.
عدت فوجدته نائما، والصغير قد التصق بظهره في النوم، فصارا صورة واحدة.
وقفت أنظر إليهما طويلا.
كان التعب موجودا، نعم
لكنني في تلك اللحظة لم أتذكر أين وضعته.
الخميس
طبخت أكلة كنت أكرهها في طفولتي.
كانت أمي تطبخها كثيرا، وكنت أظن أن الأمهات يتعمدن إزعاج أولادهن بالطعام.
أكلها ولدي وقال
لذيذة
ضحكت وحدي.
تذكرت أمي وهي تقول
أكلكم يا أولادي أحلى نعمة.
يبدو أنني احتجت كل هذه السنوات لأفهم لماذا كانت تبتسم وهي تقولها.
الجمعة
أغمضت عيني خمس دقائق بعد الغداء.
استيقظت على ضحك الأطفال في المطبخ  طحين على الأرض، وبيضة مكسورة، ووجهان يحاولان إقناعي بأن شيئا لم يحدث.
غضبت في الدقيقة الأولى.
وفي الثانية، ضحكت.
ثم جلست معهما على الأرض.
لا أعرف كيف دخل الطحين إلى كل هذا البيت، لكنني أعرف أن الضحكة بقيت أطول منه.
السبت
ذهبنا جميعا إلى البحر.
زوجي يحمل الأغراض، وأنا أحمل الأعصاب، والأطفال يحملان العالم في يديهما الصغيرتين.
قبل العودة جلسنا نتشارك شطيرة واحدة.
هذا يأكل من جهة، وذاك يمد يده إلى الجهة الأخرى، ولا أحد يسأل لمن بقيت آخر لقمة.
قلتُ له
نحن فقراء اليوم.
نظر إلى الأطفال، ثم إلي وقال
لا... نحن أغنياء بشكل مقلوب.
عدنا إلى البيت والرمل في أحذيتنا، وبقايا الشطيرة في أيدينا، وضحكة لم نجد لها مكانا في السيارة.
ووضعتها في دفتر المطبخ.


شارك هذا المنشور
الأرشيف
تسجيل الدخول حتى تترك تعليقاً