بقلم/ د_محمود_شعبان
(1- لماذا يحتاج المدير إلى المهارات الناعمة؟ ) .
*(من إدارة المهام إلى إدارة الإنسان) .
عندما نتحدث عن نجاح المدير ، غالبا ما يتجه تفكيرنا إلى قدرته على التخطيط والتنظيم واتخاذ القرار ومتابعة الأداء وإنجاز المهام ، وهذه كلها مهارات أساسية في العمل الإداري، لكنها لا تجيبنا عن هذا السؤال المهم :
*كيف يتعامل المدير مع الإنسان الذي يقوم بهذا العمل؟
فالمدير لا يتعامل مع المهام وحدها ، وإنما يتعامل مع أشخاص لهم مشاعر ودوافع واحتياجات واختلافات في الشخصية وطريقة التفكير والاستجابة .
لذلك ظهرت أهمية (المهارات الناعمة) في العمل الإداري ، وهي "مجموعة من المهارات السلوكية والشخصية التي تساعد المدير على التعامل الفعال مع نفسه ومع الآخرين ، وفهمهم، والتواصل معهم، وبناء علاقات عمل ناجحة" .
*ولقد مر الفكر الإداري نفسه برحلة طويلة في نظرته إلى الإنسان داخل المنظمة.
فمع (الإدارة العلمية) والمدرسة الكلاسيكية كان الاهتمام منصبا بدرجة كبيرة على تنظيم العمل، وتقسيم المهام ، ورفع الكفاءة والإنتاجية ، ووضع الأساليب التي تساعد على تحقيق أفضل أداء ممكن .
*ثم جاءت مدرسة (العلاقات الإنسانية) لتلفت الانتباه بصورة أكبر إلى العامل نفسه ، إلى مشاعره وعلاقاته وانتمائه للجماعة وتأثير البيئة الاجتماعية في سلوكه وأدائه ، وأصبحت العلاقة بين المدير والعامل جزءا من فهم العملية الإدارية ، وليست أمرا هامشيا خارجها.
*ثم كانت أفكار دوغلاس ماكجريجور حول (نظرية X ونظرية Y) لتوضح كيف تؤثر افتراضات المدير عن الإنسان في أسلوبه الإداري ، فحين ينظر المدير إلى العامل باعتباره شخصا يحتاج دائما إلى الرقابة والضغط والتوجيه ، تختلف طريقته في الإدارة عمن ينطلق من أن الإنسان يمكن أن يتحمل المسؤولية ، ويوجه نفسه ، ويسهم بإيجابية عندما تتوافر له البيئة المناسبة.
وهكذا تتضح حقيقة مهمة:
أن طريقة المدير في النظر إلى الإنسان تؤثر في طريقة تعامله معه ، وطريقة تعامله معه تؤثر بدورها في سلوكه وأدائه .
*وتشير الأدبيات الإدارية إلى تعدد المهارات التي يحتاج إليها المدير ، ومن أبرزها المهارات الإدارية ، والمهارات الفنية ، والمهارات الإنسانية ؛
* فإذا كانت (المهارات الفنية) تتصل بطبيعة العمل وتخصصه ،
* و(المهارات الإدارية) تتصل بالقدرة على التخطيط والتنظيم واتخاذ القرار وتوجيه العمل ،
*فإن (المهارات الإنسانية) تتصل بقدرة المدير على فهم العاملين والتواصل معهم والتأثير فيهم وبناء علاقات عمل ناجحة.
*وهذه (المهارات الإنسانية) هي محور سلسلتنا ؛ لأن الانتقال من إدارة المهام إلى إدارة الإنسان يقتضي من المدير أن يمتلك (أدوات التعامل مع البشر) ، لا أدوات إدارة العمل وحدها ؛
فقد يكون المدير خبيرا في عمله ، لكنه يفشل في التعامل مع فريقه ،
وقد يكون شديد التنظيم ، لكنه لا يجيد الاستماع ،
وقد يمتلك سلطة اتخاذ القرار ، لكنه لا يعرف كيف يقنع الآخرين ،
وقد يستطيع اكتشاف الخطأ ، لكنه لا يعرف كيف يقدم تغذية راجعة تساعد الموظف على التطور بدلا من أن تحبطه.
*وإذا كانت المهارة الفنية تجيب عن سؤال: كيف ننجز العمل؟
فإن المهارة الإنسانية تجيب عن سؤال آخر لا يقل أهمية هو :
(كيف نجعل الإنسان قادرا وراغبا في إنجاز العمل؟) .
وهنا تبرز أهمية الذكاء العاطفي والتعاطف ، والاستماع النشط ، والتواصل الفعال ، وبناء الثقة ، والتحفيز ، وفهم الفروق الفردية ، والتغذية الراجعة البناءة ، والحوار والإقناع ، وإدارة الخلافات والنزاعات .
ويمكننا هنا أن نشير إلى معنى إنساني عميق في قوله تعالى :
" فبما رحمة من الله لنت لهم ولو كنت فظا غليظ القلب لانفضوا من حولك "
سورة آل عمران ١٥٩ .
فاللين هنا لا يعني ضعف القيادة ، كما أن الحزم لا يعني القسوة ، وإنما يحتاج المدير إلى أن يجمع بين وضوح المعايير وحسن التعامل ، وبين تحقيق أهداف العمل واحترام الإنسان .
*وهذا المعنى يلتقي مع التحول الذي أحدثته (المدرسة الإنسانية) في الفكر الإداري ، الذي تطور في دراسات السلوك التنظيمي الحديثة ، وصولا إلى أفكار بيتر دراكر الذي أعاد التأكيد على أن الإدارة لا تتعلق بالأشياء والموارد فقط ، وإنما بالناس وقدرتهم على تحقيق النتائج .
*وهنا تتجسد الفكرة التي تعبر عنها هذه السلسلة :
(من إدارة المهام إلى إدارة الإنسان) .
فإدارة المهام: تعلم المدير كيف يخطط وينظم ويتابع ويقيم ،
أما إدارة الإنسان : فتحتاج منه إلى أن يفهم ويستمع ويتواصل ويحفز ويحتوي ويقنع ويعالج الخلاف ويبني الثقة .
فإن قيمة المدير لا تكمن فقط فيما يستطيع أن ينجزه بنفسه ، وإنما أيضا فيما يستطيع أن يجعل الآخرين قادرين على إنجازه معه .
*وهنا تبدأ رحلتنا مع المهارات الناعمة للمدير ، تلك الرحلة التي نحاول فيها أن نقترب من الجانب الإنساني في الإدارة ، وأن نبحث في مهارات التعامل التي تجعل المدير أكثر قدرة على بناء علاقة ناجحة مع فريقه ، وتحقيق أهداف العمل من خلال الإنسان لا بعيدا عنه .