د. محمد سيف - مصر
يدخل المعلم إلى فصله، وينظر إلى طلابه، ثم يسألهم أغرب سؤال يمكن أن يخطر على بالهم:
ما أغلى قطعة أرض في العالم؟
يصمت الطلاب قليلًا، ويبدأ كل واحد منهم في التفكير: أين يمكن أن تكون هذه الأرض؟ وما الذي يجعلها أغلى أرض على الإطلاق؟
يرفع أحد الطلاب يده ويقول:
«بالتأكيد هي أرض في منطقة الخليج العربي؛ فهي تختزن في باطنها كميات هائلة من النفط والغاز، وهما من أثمن موارد العالم.»
ويجيب طالب آخر:
«أعتقد أنها في مصر؛ فهي تحتضن آثارًا عظيمة وحضارات تركت إرثًا لا يقدر بثمن.»
ويرفع طالب ثالث يده قائلًا:
«لا شك أنها في أفريقيا؛ ففي باطن أرضها الذهب والمعادن والثروات التي لا تقدر بثمن.»
ويستمر الطلاب في التفكير والإجابة.
كل واحد منهم يرى قيمة الأرض من زاويته، ومن خلال ما يعرفه ويؤمن به.
يبتسم المعلم، ثم يقرر أن ينهي هذا الجدل، فيقول:
«إن أغلى وأغنى أرض في العالم هي… القبور.»
يصمت الطلاب بدهشة.
القبور؟!
نعم… القبور.
فالقبور لا تغطي أجسادًا فقط، وإنما قد تخفي تحت ترابها أفكارًا عظيمة، وأحلامًا رائعة، ومواهب لم تجد طريقها إلى النور، ومشروعات كان يمكن أن تغير حياة أصحابها، وربما حياة كثير من الناس من حولهم.
قد يدفن الإنسان معه كتابًا لم يكتبه، وفكرة لم ينفذها، وموهبة لم يكتشفها، وكلمة خير كان يستطيع أن يقولها، ومشروعًا ظل يؤجله حتى انتهى الوقت.
كم من شاعر مات وفي داخله قصيدة لم يكتبها؟
وكم من كاتب رحل وفي عقله كتاب لم يبدأه؟
وكم من إنسان امتلك موهبة عظيمة، لكنه ظل يخاف من الفشل حتى انتهت حياته دون أن يعرف ماذا كان يمكن أن يصبح؟
وكم من شخص كان يمكن أن ينجح في مشروع، لكنه ظل يقول: «سأبدأ غدًا»… حتى أصبح الغد متأخرًا جدًا؟
وهنا تبدأ الفكرة الحقيقية.
ليست المأساة أن يموت الإنسان، فالموت نهاية كل حي.
المأساة أن يموت الإنسان وفي داخله حياة لم يعشها.
أن يرحل وفي قلبه أشياء كثيرة كان يستطيع أن يمنحها للعالم، لكنه ظل يؤجلها، أو يخاف منها، أو ينتظر الوقت المثالي حتى جاءه الوقت الذي لا يمكن فيه فعل أي شيء.
نحن لا نعيش مرة واحدة فقط بالمعنى الذي نردده عادة، بل نحن نعيش كل يوم فرصة جديدة لإخراج شيء مما بداخلنا إلى العالم.
قد تكون لديك فكرة.
وقد تكون لديك موهبة.
وقد تكون لديك تجربة مؤلمة تعلمت منها درسًا عظيمًا.
وقد تكون لديك قدرة على مساعدة الآخرين.
وقد يكون لديك حلم قديم ظللت تخفيه لأنك تخشى ألا تنجح.
لكن ماذا لو كان العالم في حاجة إلى الشيء الذي تخاف أن تقدمه؟
لا تجعل الخوف يدفن ما بداخلك
أحيانًا لا يمنعنا نقص القدرة، وإنما يمنعنا الخوف.
نخاف أن نفشل.
نخاف أن يسخر منا الآخرون.
نخاف أن يقولوا إننا لسنا جيدين بما يكفي.
نخاف أن نبدأ ثم لا نكمل.
فنختار الحل الأكثر أمانًا:
لا نفعل شيئًا.
وهكذا نحمي أنفسنا من الفشل، نعم…
لكننا في الوقت نفسه نحرم أنفسنا من النجاح.
نحمي أنفسنا من انتقاد الناس، لكننا نحرم العالم من شيء كان يمكن أن نقدمه.
نظل واقفين على باب أحلامنا، ننظر إليها من بعيد، ونقنع أنفسنا أن الوقت لم يحن بعد.
ثم تمر السنوات.
ويكبر العمر.
وتتغير الأولويات.
وتقل الطاقة.
وتصبح بعض الفرص أكثر صعوبة.
ثم ننظر إلى الوراء ونسأل:
ماذا كان سيحدث لو أنني بدأت؟
وهذا السؤال قد يكون أكثر إيلامًا من سؤال: «ماذا كان سيحدث لو أنني فشلت؟»
لأن الفشل تجربة يمكن أن نتعلم منها.
أما الندم على شيء لم نحاول فعله، فقد يظل يطاردنا طويلًا.
المقال مستوحى من فكرة كتاب Die empty للكاتب Todd Henry