تخطي للذهاب إلى المحتوى

تحالف الفن والرذيلة .. الماركيز دو ساد نموذجاً

4 سبتمبر 2026 بواسطة
رئيس التحرير د. منى جمال
لا توجد تعليقات بعد

د.عبد الهادي صالحة - سوريا

أمضى الماركيز دو ساد ، على الرغم من نبالته العالية ، ثلاثون عاماً من حياته في السجن  في عهد النظام القديم ، وأفرج عنه في 1870 ، ثم سجن من جديد تحت عهد الإرهاب على الرغم من  أرائه الثورية ، ثم تمت ملاحقته من جديد تحت عهد القنصلية بسبب رواياته الفاضحة .. ويذكر أنّ في سنة 1803 بعث  ساد بنسخة من رواية "جوليت"" جرائم الحب " في 1800 ، وهي مجموعة من القصص التاريخية التي تستمد أثارها بشكل رئيسي من وصف زنى المحارم ، إلى نابليون بونابرت فحولّه من السجن إلى مصحة مدينة شارونتـون حيث أنهى حياته بسبب نشرها ..  هذا الرجل الذي أمضى سبع وعشرون عاماً مستمرة في السجن مازال يفتن المعلقين : فهو في نظر النقاد : ربما يكون ثورياً ، طاغية ، فوضوياً ( وجهة نظر تاريخية ) ، ومنحلاً ( وجهة نظر تحليلنفسية ) ، ووحشاً ( وجهة نظر أخلاقية ) ، و عبقرياً مبدعاً  ( وجهة نظر أدبية ) ، ورجلاً حراً ، مادياً ( وجهة نظر فلسفية ) .. إن مؤلفاته التي استلهمها من تجربة سجنه  تلبي إرادته بـ " تقديم الرذيلة المنتصرة والفضيلة ضحية تضحياتها في كل مكان "   .
         من أهم مؤلفاته : المتحول -  1781. حوار بين قسيس ومشرف على الموت - 1782 .  عديم النزاهة- 1783. المحنة الكبيرة أو الزوج سريع التصديق-1783. - أيام سودوم المئة والعشرون أو مدرسة الإباحية-. 1785. آلين وفالكور، جرائم الحب) ألفت في 1785 ونشرت سنة 1786 - .  بلايا الفضيلة (الصورة الأولى لجوستين( 1787   - جوستين أو مآسي الفضيلة (إثراء للبلايا 1791. )- أوجينيه فرانفال 1788- الفلسفة في المخدع 1789 - جوستين الجديدة متبوعة بتاريخ أختها  جوليات (-  1797 )  .جرائم الحب -  1800 ).  محب الوحدة . الكونت أكستييرن أو آثار الإباحية  . الحياة السرية لإزابيل بافيار,1850 -  أديلايد دي برانسويك   1850 ) - كاريون فانسان والسيد:ج (1853) . السفر إلى إيطاليا.(1886.
        إننا ندين للسوريالية  بإعادة اكتشاف الماركيز دوساد الذي شغل نصب الوجاهة في البانتيون الذي شيدته  لعظمائها ؛ لقد حيت السوريالية فيه مبكراً وجهاً من الوجوه الكبيرة بسبب إرادة القطيعة المطلقة عنده التي تنزع إلى " نظام أشياء لا يتعلق  تقريباً بكل ما حدث قبله " .. شارك ساد في ثقافة عصر الأنوار المولع بالمعارف ، وكان شاهداً على احتضار العهد القديم وولادة مجتمع جديد طورت فيه الرواية الإباحية فلسفة عصر الأنوار ، وتابع عمل هذا العصر في تمجيد الرذيلة " التهديم " الذي  باشرته  هذه الفلسفة ، والتنديد بالإرهاب ، باسم الحرية .. هاجم ساد في الوقت ذاته الأديان وتيار فكري فلسفي كامل كان رائجاً بشكل قوي في القرن الثامن عشر ؛ وتعتبر فلسفته من أقوى الفلسفات التهديمية .. إنها تنفي مسلمتين : وجود الله وطيبة الطبيعة ..  نادرون أولئك الذين أعلنوا ذلك بهذا المقدار من العنف ؛ وإذا كانت فكرة الله حاضرة عند ساد ، فذلك بواسطة القدح والسب وانتهاك الحرمات .. لقد أتم ساد  ما لم يتجرأ أسلافه على القيام به : قتل الإله .. يقول آلبير كامو في كتابه " الإنسان الثائر " : " ينفي ساد وجود الله باسم الغريزة الأقوى عند ذلك الذي يجعله حقد الناس يعيش بين جدران سجن  الغريزة الجنسية . ما هي هذه الغريزة  ؟ : " إنها من جانب صرخة الطبيعة ، ومن جانب أخر ، الانطلاقة العمياء التي تتطلب الامتلاك التام للكائنات ، حتى لو كان على حساب تدميرهم ".
        في الحقيقة ، تنتمي مؤلفات ساد إلى تيار أدبي يسعى إلى تحقيق تحالف الرذيلة والفن في الأدب .. لقد ناقض ساد المذهب الأخلاقي لعصره ولكل الأزمنة ، وأبان الآليات الذهنية والجسدية المطمورة للانحلال الأخلاقي الذي أفسد ساد من خلاله الفن الروائي مخضعا إياه لتيمة المجون : الماجن دون جوان الذي كان يلتذ بالإثارة وبالإغراء وبالإيذاء في القرن الثامن عشر، أضف إلى ذلك تأثير الرواية الإنكليزية : لوفلاس ، ثم في فرنسا : لوفالمون للاكلو ، وكريبيون .. إذا كان هؤلاء الكتاب سبقوه في هذه الصيغة ، فهو وحده الذي دفع بهذه الصيغة لحدودها القصوى ، دون أي اهتمام باللياقة أو بالأخلاق .. وأسهب في الفحش وفي الشعائر الماجنة المخالفة للحياء .. استعار ساد من الفلاسفة لغتهم وشكل الحوار الأدبي الذي نقله من الصالون إلى المخدع .. كتب  ساد رواياته وقصصه في لغة القرن الثامن عشر الرائعة التي شكلت حقلاً لفظياً مغلفاً أتعب القراء أحياناً ، وحتى عندما يحرف بسخرية الخطاب الفلسفي ، فإنه يشهد على شخصية أدبية حقيقية .
        يتموضع ساد تماماً في تقليد اليوتوبيا الثورية ، ويحاول في رواياته عقلنة ظواهرغير قابلة للتعبير في اللغة ، وترفضها معايير زمنه التي تتطاير شظاياها تحت ضغط الظواهر التي يدخلها ساد في الأدب .. إن ماتعني اللغة المشتركة العامة بكلمة"هوى" لا تملك بدقة شيئاً مشتركاً مع المحتوى الذي يعطيه ساد لنفس المفردة .. إن الأهواء ليست في نظره سوى انحرافات مشذبة من المعايير المستخدمة التي تساهم في الخداع والغش الشاملين ، سواء على صعيد المعرفة أم على صعيد الأخلاق ..  ووحده غياب المعايير قد يظهر أن الخداع ينجم عن اللعبة الغامضة للانحراف . ولكن بدلاً من أن يضع  لنفسه مصطلحات مناسبة ، وأن يبحث عن مفاهيم قد تبرهن على خراب وإفلاس العقل ، اكتفى ساد بأن يقوم بعمل روائي من خلال تعبيره بواسطة شخصيات ، لا تشكل مع ذلك سوى حلم اليقظة لهذا الجمهور ، وتتكلم اللغة " العادية " لجمهوره المعاصر .
        تعتبر الفلسفة السادية  كاريكاتوراً ، رسماً ساخراً للدعارة ، التي تعرف كانحراف جنسي مؤسس على القسوة ، والتي هي موضوع مقاربة منتظمة وهاجسية في الوقت ذاته .. يقول بول إيلوار في" الثورة السوريالية "رقم 18،1 ديسمبر 1926" : " لقد سجن الماركيز تقريباً كل حياته في الباستيل ، وفي فانسين وشارانتون .(...) وأصبح اسمه مرادفاً لقاسي وقاتل . وكل القاعدون بصقوا على هذه النفس الجموحة. لأنه أراد أن يعطي من جديد للإنسان المتحضر قوة غرائزه البدائية ؛ لأنه أراد تحرير الخيال العاشق ، ولأنه ناضل بيأس من أجل العدالة والمساواة المطلقة ".. ويقول آلبير كامو في كتابه " الرجل الثائر " :" إن الحرية التي يطالب بها ليست حرية المبادئ ، ولكن حرية الغرائز ." ويضيف " إن  مبدأ جمهورية ساد الإباحية ، وليس الحرية " .. وإن سلاحه لغزو استقلاله كفاعل هو الرعب المظهر، لإلغاء القانون المفروض ، والخرافات الدينية ، والأخلاق ، والأحكام المسبقة ، والتقاليد التي تلج النفوس وتستعبدها .
       وقد أعلن زعيم  السوريالية  أندره بروتون جيداً أن مؤلفات ساد كانت مقدمة لمملكة الخيال .. في الحقيقة ، إن الخيال الإيروتيكي السادي لا يعرف أي حد : عنف ، جرائم ، فظاعات  تعرض تحت شكل متجاوز للحد كالأنسكلوبيديا  الإيروتيكية الأكبر التي لم يسبق أن كتب مثلها .. إذا كانت كتب الدعارة تشكل منذ ليل الأزمنة جنساً خاصاً ، ولكن منتشرة بشكل شامل ، لم يكن قد فكر أحد قبل بتفسير مثل هذه التجارب الفريدة ، ولا حتى بناء نظرية فلسفية عن الدعارة تحت شكل أنتروبولوجيا ، أو علم الإنسان المتعلق بمبدأ متناقض : المتعة في تدمير غرض المتعة .. إن الرغبة ، بالنسبة لساد مطلقة : لا يمكن فصلها عن واقعة الوجود ، وهي مع ذلك تحدي لكل ما يوجد ؛ وما هو موجود لا يشبع الرغبة . هذه الرغبة المطلقة تسعى إلى تدمير الحدود الفردية الأخلاقية والاجتماعية .. يقول كامو : " الطبيعة بالنسبة له ، هي الجنس ، ومنطقه يقوده إلى عالم دون قانون حيث السيد الوحيد الطاقة المفرطة للرغبة ".. إنه لا يريد من الآخر سوى أن يكون أداة ؛ إنه يفرض عليه أكبر عذاب إذا كان هذا العذاب يعطيه أقل لذة . إنه يستمتع كثيراً بالضغط ، بالإذلال ، وبإيلام الآخرين الذين يعززون التفوق الذي تمنحه اللذة والمتعة .
        بيد أن ساد يتجاوز المتعة الجنسية ، ويحول الجريمة الجنسية ، جريمة الهوى إلى الوحشية الأكثر برودة ، ولذلك فهو يدعم طاقة الماجن الذي يدرك كم للقتل سلطة على الحواس .. ويسعى هذا الماجن إلى أن يجعل من نفسه حصيناً منيعاً ، وأن يبلغ درجة عدم الإحساس واللامبالاة ، إنه يفتح عينيه على الأعماق الشيطانية للكائن الإنساني الذي يكرس نفسه للإفراطات والتكرارات الرتيبة .. إن ساد يسكن وعينا لأنه  يسبر سر خبث جذري ، وممكن فظيع كامن في قلب كل واحد منا يوضح الجذور الجنسية لرغبة السيطرة ، لرغبة إذلال وتعذيب و تهديم الآخرين .. إن الرغبة التي يتكلم عنها ليست رغبة بغرض ما ، ولكن رغبة بشخص يمنحه العاشق السلطة والكيان ، رغبة بالندب بالدولاب التي لا تطلب سوى اللذة ؛ إن استيهاماته تثير انقلابات ، ويحتفظ ، سواء في مفرداته  أو في مسرحياته ، بالأطر التقليدية التي يتوجب على شخصياته تهديمها أو الدفاع عنها .
         يريد ساد من الإنسان أن يجعل من نفسه وريث الطبيعة ، وأن يقلدها لكي يعارض بشكل أفضل أفخاخها .. ويرى أنه من الضروري تهديم كل شكل من أشكال الحياة .. إن المبدأ الذي يوجه قوانين الطبيعة هو ذاته خاضع للضرورة المزدوجة للخلق وللتهديم المتتابع ، وإن الخدمة الوحيدة والفريدة التي يمكن للإنسان أن يؤديها للطبيعة هي المشاركة بذاته في هذا المشروع التهديمي ، وإن الجريمة هي مطابقة لمبادئ الطبيعة بالقدر الذي  تنشر على الأرض البذرة والسماد اللذان سيهبان الحياة من جديد  ..  يعارض ساد إذاً الطبيعة الأم حيث الإله المتعالي للماضي ماثل فيها ، يعارضها برؤية طبيعة شرسة تهدم  بشكل لا مبالي كل ما تخلق ؛ زد على ذلك ، فإنها تدفع الكائنات للتقاتل فيما بينها ، وينجم عن ذلك أنه لا يوجد أي عقد ملتزم به ، ولا شئ سوى الحكم الزائل للأقوياء . يقول آلبير كامو : "إن الخضوع التام للشر يفضي حينئذ إلى زهد مرعب الذي كان ينبغي عليه أن يرعب جمهورية الأنوار والطيبة الطبيعية ".. ويضيف كامو : " قانون هذا العالم لا شيء أخر سوى قانون القوة ؛ محركه إرادة القوة . "
        يجعل ساد من الطبيعة مركزاً لنظامه الفلسفي ، لنرى أولاً طبيعة الإنسان . إن الأذواق والميول لا ترتبط إلا بنظام الطبيعة ، ولكن ميول الإنسان التي تسوسها الأعراف والتقاليد الاجتماعية هي ضد الطبيعة . ليست الطبيعة هي التي  ينبغي عليها الخضوع للتقاليد الإنسانية ، ولكن هذه التقاليد ينبغي عليها ألا تعيق كل التجاوزات الفاسقة للسلوك الإنساني : إنه يرى أن كل ما هو هامشي ، وشاذ ، ومنحرف في السلوك يشكل جزءاً من الطبيعة ، كائن خاضع للحواس ، للانطباعات التي يحدثها الخارج .. وبهذا الشكل ينضم ساد إلى النظريات الفلسفية عند لوك وهوبز وبيكون المتعلقة بمعرفة العالم بفضل الحواس ، ويرى أن الأفكار تكتسب بانطباعات ، وأن التجربة والتربية هما اللتان تكونان الفرد .. لقد تحدى ساد المجتمع وقوانينه ليرضي الأهواء المعارضة للفضيلة المعتبرة كتقليد بسيط .. إن الماجن في نظره يعشق تجاوز حدود الأخلاق ، ويحب الميل للمخاطرة ، ويجد فيها قوته..  وهناك قضية أخلاقية أخرى مطروحة من الماجن : ارتكاب المحرمات التي ينظر إليها المجتمع كجريمة ، لأن أهواء الطبيعة في الإنسان ملجومة ومعارضة بالقوانين الإنسانية ، و بمكبح الأخلاق المسيحية التي - حسب رأيه - تناقض الطبيعة .. وهكذا يرى ساد أن الأفعال الإجرامية ربما يجب أن تترك الخيار الحر للفرد ، لأن كل الكائنات مختلفة عن بعضها البعض بشكل طبيعي .. ويرى ساد أن المجتمع  ينادي بالقيم الأخلاقية المنحدرة من المسيحية : حب القريب ، احتقار الثروات ، إلخ ... وان تقسيم المجتمع إلى طبقات هو النقيض ذاته للمساواة التي تنادي بها المسيحية ، وإن نذور الدين ( الفقر والطهارة والانقياد ) لا تبدو أنها  قررت من أعضاء الاكليروس إلا لكي يتم كبحها بشكل أفضل .
      ولهذا السبب فإن ساد ، ومن خلال قلب القيم ، يسعى إلى البرهنة أن السعادة تكمن في الجريمة ، على سبيل المثال ، في العالم الذي تسيطر فيه الأنانية المطلقة ، وحدها القيم السلبية تستطيع أن تأمل بالانتصار .. يقول آلبير كامو : " إن ساد هو أديب كامل . لقد بنى خيالاً ليوهم نفسه أنه موجود. لقد وضع فوق كل شيء الجريمة الأخلاقية التي يصل المرء إليها كتابياً ": يقول ساد :" أرفع ناظري إلى العالم ، فأرى الشر والفوضى والجريمة يسيطرون عليه في كل مكان فيه كمستبدين .. يوجد إله ؛ هناك بالضرورة يد ما خلقت كل ما أرى ، ولكنها لم تخلقه إلا في سبيل الشر، إنها لا تزكو ولا تلتذ  إلا بالشر : فالشر هو جوهرها ".. ويضيف كامو مؤكداً ذلك : " لقد عظم ساد المجتمعات الشمولية باسم الحرية المسعورة التي لم تطلبها الثورة في الواقع . ومع ساد يبدأ فعلياً التاريخ والمأساة المعاصرين .. لقد اكتفى بالاعتقاد بأن مجتمع مؤسس على حرية الجريمة كان عليه أن يتماشى مع حرية الأخلاق ، كما لو كان للعبودية حدود .. في الواقع ، يقبل ساد تحركاً اجتماعياً ما . وهكذا فالفقراء الذين يملكون الجرأة الكافية للثورة ويعرضون حياتهم للخطر، فإنهم يسعون للحصول على الثروة والسلطة والملذات ولكن ليس لتغيير العالم . ولكي يربحوا ويحتفظوا بما يحرمون منه ، ليس أمامهم سوى طريق واحد : الجريمة .. وهاهو ساد يصل بكل بداهة إلى مكان حيث كلمة " تبرير"، " شرعنة " القتل لم يعدلها أي معنى .. يقول كامو :" الحرية المطلقة  للرغبة تعني نفي الآخر ، وحذف الشفقة ، يجب قتل القلب ، هذه قلعة الفكر"..
إن الدوافع  التهديمية للإنسان تفرض  نفسها كبدهيات . فالإنسان ليس سوى عنصر من السلسلة التي تربط الكائنات الفيزيائية فيما بينها .. وكل ما يحيا هو في حالة تحول دائم ، وإن الجريمة ، حسب ساد ، لا توجد إلا لأن كل شيء يتحول وهذا مفيد للطبيعة : " هل يستطيع الإنسان ارتكاب جرائم . وعندما يفضل سعادته على سعادة الآخرين ، فإنه يقلب أو يهدم كل ما يجده على طريقه ، إن فعل أي شيء غير خدمة الطبيعة التي كانت إلهاماتها الأولى والأكثر أكيدة تملي عليه أن يجعل من نفسه سعيداً ، لا يهم ، على حساب أي شخص ؟ " إنها  يوتوبيا التجاوز ، أو بالأحرى يوتوبيا الجريمة التي يدافع ساد عن مبدأ ضرورتها  في العالم ..
       وختاماً ،  نستطيع القول أن السادية هي ، في نظر ساد ، علم أخلاق وميتافيزيقيا : فالإنسان القاتل يشارك في العمل الهدام للطبيعة ، في قوة نفيها .. وهي أيضاً علم جمال : يشهد على ذلك العناية التي يقدم من خلالها المشاهد المختلفة ، ميل ساد للضحايا الجميلات ، الشابة ، والمثيرة للعطف .. إن تهديم الضحية يصبح الرمز الفعال لتهديم القيم الاجتماعية والأخلاقية ، وأخيراً حتى لتهديم الإله .. إن شخصيات ساد الروائية تلبي بهذا الشكل اهتماماً ثلاثياً : إيديولوجياً ونفسياً وروائياً .. إن تطوراتهم تحمل طابعأً  تعليمياً قادراً على إيصال" تلميذ " محتمل للتساؤل حول استعدادته الخاصة وقواه وضعفه قبل أن يتبنى هذه الأفكار وقبل أن يضعها في أفعال .. إن شخصيات ساد " تنزع  إذاً  للتجمع في مجتمعات سرية ذات طابع ماسوني ومسارري في ذوق العصر".
       لقد كان لمؤلفات ساد  تأثيراً سرياُ منذ العصر الرومانسي حتى نهاية العصر ؛ ففي العصر الرومانسي ، مثل ساد انحراف القرن الثامن عشر الفلسفي ، ولكن تلون بمسحات شيطانية تعطي لصورته الشخصية في نظر محبيه عظمة لوسيفيرية .. يقول كامو : " إن ساد ، بغرابة ، هو الذي قاد الثورة على طرق الفن التي  ستسير عليها الرومانسية  قدماً إلى الأمام ".. لقد شجع هذا على تمظهر ميول سادية عند جول جانان وبتروس بورل دون شك ، وعلى انتشار أكثر اتساعا للماركيز دوساد ، وأظهر بشكل خاص كيف أن هذا الكاتب ( بورل ) ، بعد ساد ، أثار اهتمام ، واستحوذ على لب أساتذة أساسين من أساتذة الانحطاط وشعراء الشر : بودلير وفلوبير ولوتريامون الذين استلهموا من ساد في مؤلفاتهم ، وفتح ساد لهم الباب ولكل رواد المتخيل المنحط : محللون نفسيون ( فرويد ولاكان ) وكتاب سورياليون ( بروتون وإيلوار ). وابولينير هو أيضا أولى اهتماما كبيرا لدرجة الافتتان .. فقد فرضت عليه أبحاثه في كتاب " جهنم " في المكتبة الوطنية محاذاة الماركيز ، واعترف به السورياليون كواحد الذين قدموا الهامش الأكبر من المعارضة " . " ساد ، فرويد ، فورييه ، يقول بروتون : لقد سميتم محرري الرغبة الثلاثة الكبار "
        إن معاداته للمسيحية ، والتعظيم لقوة الرغبة المتعارضة مع كل أنواع القموع ، واتساع أبنيته الفلسفية – الروائية ا قاربت الهذيان باحتقارها بنى ومقولات الممكن والمعقول ، والطوباويات السياسية التي يقترحها ( على سبيل المثال في " ألين وفالكور " شيوعية كاملة ) .. وكذلك جورج باتاي أعطى لساد المكان الذي يستحقه في " دموع إيروس " وموريس هاين وجيلبير ليلي عجلوا بشكل ملحوظ بالتعريف بحياة ومؤلف ساد .. بينما بيير كلوسوفسكي كان يظهر ساد في البحث عن المطلق ، في البحث عن نقاء مستحيل ، ومهووسا بالعذرية ..

         يقول ميشيل فوكو:"  إن ظهور السادية يقع في الوقت الذي ظهر من جديد اللاعقل  المسجون منذ أكثر من قرن و مجبرعلى السكوت ، ليس كصورة رمزية للعام ، ليس كصورة ، ولكن كخطاب وكرغبة . وليس من قبيل المصادفة أن تكون السادية  كظاهرة فردية تحمل اسم إنسان ، ولدت من الحجر ، وفي الحجر، إذا كانت صور القلعة والزنزانة والسرداب والدير والجزيرة التي لا يمكن بلوغها تقود مؤلف ساد ، فهي التي تشكل بهذا الشكل المكان الطبيعي للاعقل ."  ..  يقول ألبير كامو في الرجل الثائر: " إننا نمجد فيه فيلسوف القيود ، والمنظر الأول للثورة المطلقة. كان بإمكانه أن يكون  ذلك في الواقع . في أعماق السجون ، الحلم لا حدود له ، الواقع لا يكبح شيء . إن الفكر البصيرة يخسر وهو في القيود ما يربحه في الهيجان "... " إن نجاح ساد في عصرنا يفسر بحلم تشاطره به الحساسية المعاصرة : المطالبة بالحرية الكاملة ، ونزعة الصفة الإنسانية التي يقوم  بها  الفكر بدم  بارد "  . .

شارك هذا المنشور
الأرشيف
تسجيل الدخول حتى تترك تعليقاً