تخطي للذهاب إلى المحتوى

حين يمر الإنسان في الزمن

4 سبتمبر 2026 بواسطة
رئيس التحرير د. منى جمال
لا توجد تعليقات بعد

سامح علي - مصر

كان الحجر بارداً، رغم أن الشمس بقيت طويلاً فوقه. مررت يدي على سطحه، فشعرت بخشونة السنوات أكثر مما شعرت بصلابة الصخر. في مكان ما تحت هذه الطبقات، لا بد أن يداً أخرى لامسته ذات يوم، يد شخص لم يكن يعرف أن أحداً سيأتي بعده بآلاف السنين ليبحث عن اسمه.
توقفت أمام العلامات المحفورة، وحاولت أن أتخيل صاحبها. لم أره في صورة ملك أو بطل، و لكن في لحظة عادية: رجل يعود إلى بيته، امرأة تنتظر خبراً، طفل يراقب الضوء وهو ينحدر على صفحة الماء. هكذا يبدأ الماضي في الاقتراب. لا يعود زمناً بعيداً مكتفياً بصمته، و لكن يصبح حياةً كانت تشبه حياتنا أكثر مما نظن.
ربما لهذا يظل الإنسان يبني، حتى وهو يعرف أن كل ما يبنيه معرض للزوال. يرفع الجدار، ويكتب اسمه، ويحفظ ما يحب في صندوق أو تميمة أو ورقة صغيرة. لا يفعل ذلك لأنه يثق تماماً في انتصار الأشياء على الزمن، ربما يفعل لأنه لا يحتمل أن يمر وجوده دون علامة. وحين يضع شيئاً من نفسه في العالم، يصبح الفناء أقل قسوة، لا لأنه اختفى، و لكن لأن جزءاً منه بقي قابلاً للعثور عليه.
لكن الأثر لا يبقى كما تركه صاحبه. كل يد تلمسه تضيف إليه شيئاً، وكل زمن يراه من نافذته الخاصة. قد تُقرأ الرحمة ضعفاً، وقد يتحول الحلم إلى أمر، وقد يصبح النور الذي أراد صاحبه أن يهدي به الآخرين سبباً في أن تعمى عيونهم. لا تخرج الأفكار من أصحابها كاملة، إنها تتغير في الطريق، وتدفع أحياناً ثمناً لم يقصده الذين أطلقوها.
لهذا لا يكفي أن نمتلك يقيناً. كان الذين سبقونا يرفعون عيونهم إلى السماء، ويبحثون عن معنى يحميهم من الخوف. غير أن الخوف نفسه كان يعود في صورة أخرى: في رجل يطلب من الجميع أن يروا ما يرى، وفي جماعة تجعل من تفسيرها باباً وحيداً إلى الحقيقة. عندها لا يعود السؤال عن النور وحده، بل عن المساحة التي يتركها هذا النور للآخرين كي يروا بطريقتهم.
وربما كانت الحكمة أقرب إلى القدرة على الإصغاء منها إلى امتلاك الإجابة. أن يعرف الإنسان أن الظل ليس عدواً دائماً، وأن الصمت قد يكشف ما تخفيه الكلمات الكثيرة. فحين يعلو الصوت أكثر من اللازم، لا يعود المرء يسمع ارتجاف قلبه، ولا يسمع الذين يقفون إلى جواره وهم يخافون من الطريق نفسه.
الموت لا يأتي في اللحظة الأخيرة فقط. إنه يمر بنا كل يوم في الأشياء التي نفقدها، وفي الوجوه التي تتغير، وفي الكلمات التي لا نجد وقتاً لقولها. ومع ذلك، لا يبدو الإنسان مستعداً له تماماً. يظل يسأل عن الطريق، وعن البيت الذي سيتركه، وعن الذين سيحملون ما لم يستطع حمله وحده.
وقد يكون أصعب ما في الرحيل أن الإنسان لا يعرف أي صورة ستبقى منه. هل يبقى اسمه، أم صوته، أم خطأه، أم لحظة واحدة أضاء فيها قلب شخص آخر دون أن يدري؟ لا يملك أحد إجابة كاملة. الزمن لا يعيد إلينا الذين أخذهم، لكنه يترك أحياناً نافذة صغيرة: كلمة، صورة، أو أثراً يجعل الغائب قابلاً لأن يُسأل من جديد.
في تلك اللحظة لا يعود الماضي مرآة للفخر وحده، ولا يصبح الحاضر صفحة منفصلة عنه. ما صنعه الذين مضوا يضع في أيدينا مسؤولية لا تشبه التكريم. علينا أن نقرر ماذا نفعل بما وصل إلينا، وما إذا كنا سنحفظه كما هو، أم نسمح له بأن يضيء شيئاً في زمننا دون أن نحوله إلى قيد.

لا ينتصر الإنسان على الزمن. كل ما يستطيع فعله أن يمر فيه بصدق، وأن يترك خلفه شيئاً لا يحتاج إلى أن يعلن اسمه كي يبقى. ربما يكفي أن يجد شخص، بعد زمن طويل، أثراً صغيراً في مكان صامت، فيشعر أن اليد التي تركته لم تكن غريبة عنه تماماً. عندها لا يعود الغياب كاملاً، ولا يصبح البقاء وعداً كبيراً، يصير مجرد ضوء خافت، لكنه ما زال قادراً على أن يدل أحداً على الطريق.

شارك هذا المنشور
الأرشيف
تسجيل الدخول حتى تترك تعليقاً